الكاتبة : هيفيدار خالد
بينما تتصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل وإيران لحظةً بعد لحظة، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في إيران، مخلفةً وراءها عشرات القتلى وآلاف النازحين، ودماراً واسعاً طال المنازل والمباني في العديد من المدن والبلدات. هذه الحرب المنهكة تعصف بحياة الشعوب، خصوصاً النساء والأطفال، وتضعهم وجهاً لوجه أمام تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية جسيمة. إنها حرب تختبر التحالفات الإقليمية والدولية، وستمضي بعواقب وخيمة على مستقبل الجميع، في ظل وهج الصواريخ وضوضاء الحرب التي تعم الأرجاء، ما ينبئ بإعادة تموضع كبرى للقوى في المنطقة. وعلى الرغم من أن مستقبل هذه الحرب لا يزال مفتوحاً على جميع السيناريوهات، إلا أن المؤكد هو تغيّر قواعد اللعبة الإقليمية.
من المرجح أن تؤدي هذه الحرب المدمرة إلى تدمير شامل للمدن، وتُدخل السكان في واقع معقد يهدد وجودهم، وقد يفضي إلى إنهاء حياتهم إذا عجزوا عن حماية أنفسهم من آثار وتداعيات هذا الصراع الخطير، الذي يلتهم الأخضر واليابس على حد سواء. إنها حرب “الهيمنة” التي يقودها “أسياد الحروب الجدد”، الذين لا يستهدفون سوى مستقبل شعوب المنطقة، فينهبون خيرات البلاد، ويستحوذون على الموارد، ويكدّسون الثروات، بينما يظل الجوع كابوساً جاثماً على صدور الأبرياء والمظلومين.
نعم، إنها حرب فظيعة، لأنها لا تملك نهاية متوقعة، وقد تكون وحشية إلى أقصى الحدود إذا لم تُوقف بالوسائل السلمية العاقلة، التي تأخذ بعين الاعتبار قضايا الشعوب وطموحاتها. فالحلول لا تأتي بالهتاف والشعارات، التي لم تعد كافية ولا قادرة على تغيير مجرى الأحداث أو إيقاف آلة الحرب، بل إن الأمر يتطلب تبني سياسات حازمة تهدف إلى تعزيز التحول السياسي والديمقراطي الحقيقي.
ويجب، إلى جانب ذلك، الدفع نحو الحوار، وتجاوز الخلافات والعراقيل التي تعيق المسارات الوطنية. بالطبع، تحقيق ذلك يتطلب وقتاً وجهداً، في ظل أوضاع مأساوية وتراجع اقتصادي واجتماعي حاد. لكن التغيير الكبير المنشود لا بد أن ينبثق من نضال المكونات والثقافات المختلفة، عبر مشروع ديمقراطي شامل، يُسهم في تحقيق أمن واستقرار مستدام، ويدفع الأنظمة القومية المغلفة برداء الدين إلى التحول الديمقراطي، وبالتالي إنهاء مرحلة السلطوية الدينية وبنيتها الرجعية.
إن الشعوب مطالبة بلعب دورها الحضاري والريادي في هذه اللحظة التاريخية، ويحق لها استثمار الفرصة لتعزيز تنظيمها الذاتي، والدفاع عن وجودها في وجه سياسات الهيمنة التي تمارسها القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى فرض سيطرتها على حساب الشعوب. إن اللحظات الحاسمة ربما تكون وشيكة، ما يمنح الشعوب أملاً أكبر من أي وقت مضى في استعادة حقوقها المشروعة، والتحرر من الظلم والاستبداد.
الشعوب الإيرانية، ومن بينها الكرد والبلوش والآذريون، قادرة على أن تكون قوة فاعلة في التغيير الجذري للنظام الحالي. وإذا لم تخض هذه الشعوب معركتها من أجل التغيير، فستجد نفسها في مهب الرياح القادمة. فالتغيير بدأ يطرق أبواب المنطقة، ولعل الربيع الإيراني، بقيادة المرأة الكردية التي رفعت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، هو النموذج الأبرز في هذه المسيرة.
يجب على الجميع العمل لتمهيد الطريق نحو الحرية للجميع، إذ إن هذه المرحلة قد تمثّل نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الشعوب الإيرانية، تؤدي إلى مستقبل من العيش الكريم والتعايش المشترك. لم تعد خيارات الشعوب محدودة أو محصورة، بل أصبحت مدفوعة بزخم ديناميكي داخلي جديد يمكن أن يرفد المشروع الديمقراطي الذي يقوده الشعب الكردي، المستلهم من فكر وفلسفة القائد عبدالله أوجلان، والمتمثل في مشروع “الأمة الديمقراطية”.
وفي خضم هذه التحديات، لا بد من بناء رؤية إستراتيجية طويلة الأمد، تقوم على أساس تنظيم المجتمع من القاعدة إلى القمة، وتفعيل دور المجالس الشعبية والمؤسسات المدنية كأدوات بديلة للسلطة المركزية القمعية، بما يتيح بناء نظام تشاركي يضمن تمثيل كل المكونات القومية والدينية والثقافية. هذه الرؤية، وإن بدت مثالية في السياق الإيراني الحالي، إلا أنها أصبحت ضرورة تاريخية لا بديل عنها، خصوصاً في ظل تفكك الشرعية السياسية للنظام الحاكم، وانكشاف خطابه أمام جيل جديد يطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
ولعل من أبرز ملامح هذا التحول، هو اتساع رقعة التفاعل بين الشعوب الإيرانية المضطهدة، التي بدأت تدرك أن قضيتها لم تعد محصورة في نطاق محلي أو عرقي، بل هي جزء من معركة أكبر ضد منظومات الهيمنة والاستبداد على الصعيدين الإقليمي والدولي. فالكرد، والبلوش، والعرب، والآذريون، والتركمان، وسائر المكونات التي تعاني التهميش والإقصاء، تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتوحيد صفوفها وبناء جبهة ديمقراطية عريضة، ترفع راية التغيير السلمي الجذري، وتؤسس لمستقبل مشترك يقطع مع عقود من القمع والتمييز.
ولا يكتمل هذا المشروع دون الاعتراف بالدور المركزي للمرأة، لا بوصفها ضحية للسلطة الذكورية فحسب، بل بصفتها فاعلة في قلب المعادلة السياسية والاجتماعية، وقائدة للحراك الثوري والتحول الديمقراطي. إن تجربة المرأة الكردية في إيران – التي استطاعت أن تجعل من شعار “المرأة، الحياة، الحرية” عنواناً لحركة وطنية شاملة – تؤكد أن تحرر المرأة ليس قضية ثانوية، بل هو الشرط الأول لتحرر المجتمع بأكمله. من هنا، فإن بناء نظام ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يتم دون إشراك المرأة في صياغة القرار السياسي وإدارة مؤسسات الحكم.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الثقافة والفكر كأداتين حاسمتين في مواجهة آلة القمع الرسمية. إذ يشكل نشر الوعي الديمقراطي، وتطوير الخطاب التحرري، وإحياء الهويات الثقافية المغيبة، جزءاً من معركة كسر الهيمنة الرمزية التي تفرضها الدولة المركزية على المجتمعات الطرفية. ومن دون ثورة فكرية موازية للنضال السياسي، ستبقى محاولات التغيير عرضة للتشويه أو الاحتواء أو الإجهاض.
إن اللحظة الراهنة – بكل ما تحمله من مخاطر وتحولات – قد تمثل فرصة نادرة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، وبين السلطة والشعب. وهذا يتطلب من جميع القوى الديمقراطية في الداخل والخارج أن تعيد صياغة أولوياتها، بعيداً عن الحسابات الأيديولوجية الضيقة أو الولاءات الخارجية، وأن تنخرط في مشروع وطني جامع يعيد الكرامة والمواطنة والعدالة إلى موقعها الطبيعي في قلب أي حل سياسي مستقبلي.
وختاماً، فإن خيارات الشعوب الإيرانية في مواجهة حروب الهيمنة العالمية لن تكون سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فالإرادة الشعبية، حين تتسلح بالوعي والتنظيم والإصرار، قادرة على كسر قيود الطغيان، وتجاوز إرث الانقسامات، وصناعة مستقبل جديد يتسع للجميع، دون تمييز أو إقصاء. هذا المستقبل لن يُمنح، بل يُنتزع بنضال يومي واعٍ، وبقيادة حقيقية تعبّر عن آلام الناس وآمالهم، وتنتصر للحياة في وجه آلة الحرب والموت.
