في خطوة وصفت بالمفصلية، عقد حزب العمال الكردستاني (PKK) مؤتمره الثاني عشر في أيار مايو 2025 في مناطق جبال قنديل، وسط تطورات لافتة على صعيد مقاربته للعمل السياسي ومستقبل نضاله. يأتي المؤتمر في وقت يتزايد فيه الحديث عن فتح نافذة جديدة للحل، بعد عقود من الصراع بين الحزب والدولة التركية.
تأسس حزب العمال الكردستاني في أواخر سبعينيات القرن الماضي، في ظل بيئة سياسية مغلقة تجاه الكرد في تركيا. كانت الدولة التركية تعتمد سياسة إنكار للهوية الكردية، حيث حُظرت اللغة والمظاهر الثقافية الكردية، وتعرض النشاط السياسي الكردي للقمع والملاحقة.
أمام هذا الواقع المرير، قرر الحزب في عام 1984 البدء بالكفاح المسلح، معتبرًا أن العمل السياسي غير ممكن في ظل القوانين والسياسات المفروضة آنذاك. ومنذ ذلك الوقت، دخل الطرفان في نزاع مسلح طويل، خلّف خسائر بشرية ومادية كبيرة، واستمر لعقود دون أفق واضح للحل.
مع مرور السنوات، طرأت تغيّرات داخلية وخارجية ونتائج على الأرض دفعت الحزب لإعادة تقييم إستراتيجيته. ظهرت توجهات تدعو للبحث عن مخرج سياسي، خاصة مع تحولات في الرأي العام، ودعوات دولية متكررة للحل السلمي للقضية الكردية في تركيا.
وقد ساهمت التطورات داخل الدولة التركية، بالإضافة إلى تغير في السياق الإقليمي والدولي، في تعزيز هذا الاتجاه، إلى جانب جهود وسطاء دوليين ساهموا في تهيئة بيئة مبدئية لإعادة فتح قنوات التواصل بين أطراف الصراع.
عُقد المؤتمر الثاني عشر للحزب في أيار مايو 2025، وشهد نقاشات داخلية عميقة حول المرحلة السابقة، ومستقبل النضال. وتم التطرق إلى خيارات جديدة، منها التحوّل إلى العمل السياسي العلني، شريطة توفر ضمانات قانونية ودستورية تضمن الحقوق الثقافية والسياسية للشعب الكردي.
وفي خطوة لافتة، شارك قائد الحزب عبد الله أوجلان في أعمال المؤتمر عبر تقنيات خاصة، مما أضفى على الاجتماعات طابعًا رمزيًا وسياسيًا قويًا، خاصة مع اعتباره أحد أبرز صناع التوجه السلمي داخل الحركة الكردية.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تُعلن القيادة المركزية للحزب نتائج المؤتمر رسميًا، غير أن مصادر متابعة تشير إلى احتمالية إصدار بيان خلال الأيام القليلة القادمة، قد يتضمّن إعلانًا عن تحوّل في مسار النضال، إما من خلال وضع أسس لإنهاء العمل المسلح تدريجيًا، أو استمرار النضال بأشكال أخرى إن لم تُقابل هذه المبادرات بخطوات مماثلة من الجانب التركي.
بعد أكثر من أربعين عامًا من العمل العسكري، يبدو أن حزب العمال الكردستاني يواجه لحظة مراجعة حاسمة. مؤتمر 2025 قد يشكل منعطفًا تاريخيًا، فإما أن يمهد الطريق نحو حل سياسي مستدام، أو يُعيد إنتاج الصراع بشكل وأساليب مختلفة.
الأنظار متجهة إلى البيان المنتظر، وإلى كيفية تفاعل الأطراف المعنية مع ما قد يكون فرصة نادرة لإنهاء أحد أطول النزاعات في تاريخ تركيا الحديث والذي سيؤثر على ملفات مستعصية وعديدة في المنطقة.
