على الرغم من أن المناخ السياسي الدولي والإقليمي توجَّه إلى مسار التطبيع مع نظام بشار الأسد، بعد أربعة عشر عاماً من حربٍ نهشت كل مفاصل الحياة في سوريا، إلا أن ظروفاً إقليميةً ودولية، مثل القضاء العسكري على حزب الله الذي كان ضربةً قاسية تلقتها إيران، حليفةُ النظام السوري السابق من إسرائيل، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، التي أضعفت نفوذ روسيا في سوريا، ساهمت في إضعاف نظام بشار الأسد، الذي سقط بتاريخ الثامن من ديسمبر/ كانون الثاني عام 2024.
معطيات هشاشة النظام دفعت بفصائلَ مسلحةٍ تحت إدارة غرفة العمليات العسكرية، بقيادة هيئة تحرير الشام، لإطلاق عمليةٍ تحت مسمى ردع العدوان بتاريخ السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، التي تقدمت بسرعةٍ كبيرة وسيطرت على مناطقَ بشمال غربي البلاد، متجاوزةً مدن حلب وحماة وحمص خلال أيام قليلة، نتيجة عدم إبداء قوات النظام أي مواجهةٍ تُذكر، وتسليمها للعتاد والسلاح وتخليها عن البزة العسكرية، الأمر الذي جعل السيطرةَ على العاصمة دمشق بمساعدةٍ من فصائلَ مسلحةٍ في الجنوب السوري عمليةً سهلة.
السوريون من مختلف المكونات استقبلوا نبأ سقوط نظام الأسد بسعادةٍ وأمل كبيرين، سيما وأن استمراره في الحكم جعلهم يستسلمون لملامح واقعٍ قاسٍ وبائس، عجزوا من خلاله عن النظر إلى مستقبلهم القريب والبعيد، فكان كل همهم أن يمضي يومُهم على خير، وسط أزمةٍ اقتصادية عميقة ومتجذرة، وعجز مؤسسات الدولة عن تيسير أعمالها بجودةٍ مقبولة، وشكل نظامي دون رشاوى ومحسوبيات على أعلى المستويات.
سقوط نظام الأسد حمل للسوريين الأملَ بواقع جديد يُنهي أزمة اللجوء والنزوح، يحقق العدالة لذوي المختطفين والأسرى والمتضررين من جراء الحرب على كافة الصعد، ومحاسبة المسؤولين عن رداءة الأوضاع وتفاقمها، سواءٌ من قبل أزلام النظام أو تجّار الحرب، الذين ارتهنوا لتطلعات الاحتلال التركي.
واقعٌ بإمكانه أن ينهي معالم الاستيطان والاحتلال، يعيد النبض في المؤسسات التعليمية والصحية والخَدَمية، ينعش الاقتصاد ويعيد الاعتبار للعملة السورية، يحفظ ويصون حقوق كل المكونات على اختلاف ثقافاتهم، بما يغني الهوية الوطنية السورية ويعكس حقيقتها التاريخية، عبر دستورٍ يشارك في صياغته السوريون بمختلف مكوناتهم، وهياكلهم التنظيمية الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية.
آمالٌ كثيرة وكبيرة معلقةٌ على ما ستنتهجه إدارة العمليات العسكرية، التي شكلت حكومةً انتقالية في سوريا، عينها قائد إدارة العمليات أحمد الشرع، بعد سقوط نظام الأسد، فإضافةً لكل المطالب السورية في الحرية والكرامة، التي انتفض من أجلها الشعب السوري، في آذار/ مارس 2011، هناك أزماتٌ كثيرة تحتاج للمعالجة، نتيجةَ لجوء النظام السابق لأسلوب العنف وقمع الحراك الشعبي بالسلاح.
قراءة في أهمية “#الحوار_الوطني” بين #الأطراف_السورية#قناة_اليوم #ملف_خاص pic.twitter.com/kUe5QxGzms
— قناة اليوم (@alyaum_news) February 20, 2025
تعاني سوريا اليوم من أزمةِ سيادة، فعلى الرغم من أنه تم حجب النفوذ الإيراني والروسي عن سوريا، إلا أن الاحتلال التركي، الذي يوظّف فصائلَ إرهابيةً لصالحه في المناطق التي احتلها بشمال وشرق سوريا، لا يزال متمادياً في طموحاته، وفي الجنوب الغربي هناك إسرائيل التي استغلت مرحلة فراغ السلطة والأمن لتسيطر على المناطق منزوعة السلاح بينها وبين سوريا.
أزمات كثيرة أخرى لا تقل أهميةً عن السيادة، من بينها أزمة الهوية والمواطنة والأزمة الإنسانية والاقتصادية وغيرها، التي تدفع بالسوريين إلى التطلع لعقد حوارٍ وطني شامل، يشكل بنيةً أساسية لإطلاق صيغٍ وآلياتِ معالجةٍ لتلك الأزمات والبدء بتهيئة مؤسسات الدولة بما يتوافق مع التطلعات السورية.
أول سبيلٍ وجده السوريون والفاعلون الإقليميون عربياً لإجراء عملية انتقالية في سوريا، كان القرار الأممي اثنين وعشرين أربعةٍ وخمسين، الذي أصدره مجلس الأمن عام 2015، مع إجراء بعض التعديلات البنيوية التي لابد منها عليه، بما يتناسب مع واقع سقوط النظام الذي أخذ جانباً رئيسياً في صياغة بنود هذا القرار.
وبما لا يحمل الشك، فإن تطبيق القرار يحتاج لآلياتِ تنفيذٍ فعالة، تضمن مشاركة جميع الأطراف السورية دون إقصاء، في حوارٍ وطني شامل ترافقه حلولٌ توافقية، مع إشرافٍ أممي يضمن النزاهة والشفافية.
يمر اليوم أكثر من شهرين على سقوط النظام، دون أن يُعقد الحوار الوطني المترقب في سوريا، ليخرج بحكومةٍ موحدةٍ توافقية ولجانِ صياغةِ دستور، تحضيراً للانتخابات الرئاسية كما كان مأمولاً، وسط واقع حالٍ في البلاد، يشهد فوضى أمنيةً تترافق بتوجّسٍ داخلي وخارجي، من خلفية الهيئة التي تتحكم بزمام السلطة.
على مدار الشهرين غابت التصريحات الرسمية من دمشق، بشأن تقرير موعدِ عقد المؤتمر، وتبيان خطة العمل الخاصة بإرسال الدعوات المفترض أنها تشمل مئات الشخصيات من مختلف أنحاء سوريا وجميع مكوناتها، ما أثار قلق مراقبين متعقبين لسير إجراءات الحكومة، بتطبيق قراراتٍ أُحاديةِ المنظور في قطاعات الدفاع والتعليم والصحة.
تأتي إجراءات الحكومة التي أصبحت انتقاليةً اليوم، بقرارٍ من أحمد الشرع، وسط حالة فوضى أمنية متفاقمة، تخرج عن نطاق توسيمها بالممارسات الفردية، أدت لمقتل وإصابة العشرات، إضافةً إلى هجمات دولة الاحتلال التركي المستمرة ضد مناطق الشمال السوري، وخاصةً منطقة سد تشرين على نهر الفرات.
أما أكثرُ ما أثار استهجان السوريين هو إصرارُ رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، على الدعوة الشخصية دون إيلاء الاعتبار للكيانات والهياكل الاجتماعية والسياسية والمدنية، التي نظّم السوريون أنفسهم داخلها وعبّروا عن تطلعاتهم من خلال وثائقها، ليُفقدها قرارُ الدعوة الشخصية وزنَها المعتبر ويُضعف مقومات المشاركة في صنع القرار، حسب محللين.
هذا وعقب إعلان وزارة الدفاع في الحكومة السورية المعينة من قبل الشرع بِدء جلساتٍ تنظيمية مع قيادات ومتزعمي الفصائل الإرهابية في البلاد، بغية حلها وضمها إلى وزارة الدفاع، وما ترتب عنها من حملات اعتقالات واسعة، في مدنٍ سوريةٍ مختلفة، وسط استياءٍ شعبي بسبب طريقة تعامل عناصر الأمن، وتعميم الاتهامات على أهالي الأحياء بأعمالٍ لا تمثلهم، عقد الشرع في أواخر الشهر الماضي مؤتمرًا في دمشق، حمل طابعاً عسكرياً تحت مسمى “مؤتمر النصر”.
حسب مخرجات المؤتمر الذي بُثَّ على منصة التلغرام، دون عرضه مباشرةً على منبرٍ إعلامي تلفزيوني رسمي، تم الإعلان عن تولية أحمد الشرع رئاسةَ البلاد للمرحلة الانتقالية، وسط غياب أي عمليةٍ ديمقراطية شفافة، إضافة إلى الإعلان عن إيقاف العمل بالدستور وحل الجيش، وجميع الفصائل العسكرية والأجسام السياسية الثورية والمدنية، ودمجها في مؤسسات الدولة، حسب المؤتمر.
وما أثار امتعاض السوريين مثولُ قادة فصائلَ إرهابيةٍ تابعة لتركيا، ارتكبت جرائمَ حربٍ بحق السوريين، بتوثيقاتٍ وإداناتٍ دولية في المؤتمر، مما عزز المخاوف من أن المرحلة الانتقالية قد تكون إعادة إنتاجٍ لنظامِ حُكم غير ديمقراطي بوجوه جديدة.
جملة القرارات والإجراءات التي تديرها الحكومة الانتقالية اليوم، تُضيف مزيداً من الغموض والضبابية، بسبب غياب الشفافية والتشاركية في صنع القرار، مع كل الأطراف السورية، مما يثير الشكوك لدى مختلف مكونات الشعب السوري، حول إمكانية عقد الحكومة الانتقالية لمؤتمرٍ سوري جامع، ضمن عمليةٍ سياسية ديمقراطية لم تظهر معالمها بعد، تثبت الخطوة الأولى نحو بناء دولة مؤسساتٍ وقانونٍ وعدالة تمثل كل السوريين.



