بعدَ أعوامٍ طويلة من محافظة كل من سوريا وإيران على استمرار علاقاتهما الثنائية المدفوعة بمصالح استراتيجية وإيديولوجية وجيوسياسية، جاءت الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس وبعدها حرب إسرائيل مع حزب الله في لبنان لتضع العلاقة بين طهران ودمشق على المحك، سيما مع توجه الأخيرة إلى النأي بالنفس تجاه أي ضربات إسرائيلية قد تطالها.
فمنذ تشرين الأول أكتوبر من العام 2023 لم تنخرط الحكومة السورية مع ما يسمّى بـ”محور المقاومة” والتي هي بالأساس جزء أساسي منه، بل فضّلت لعب دور المتفرج على ما يدور من أحداث دار بعضها على الأراضي السورية وأسفرت عن مقتل العديد من قيادات وعناصر الفصائل التابعة لإيران وحزب الله اللبناني، بل حتى أودى بعضُها بعناصرَ من قوات الحكومة نفسها.
تقارير إعلامية أكدت أن لروسيا يداً طولى في دفع دمشق للابتعاد عن إيران خلال التطورات الأخيرة في المنطقة، مرجعةً الأمرَ إلى صراع النفوذ والسيطرة الذي يجري في مناطق الحكومة السورية بين طهران وموسكو، وهو ما أثار قلقاً إيرانياً متصاعداً سيما مع محاولات تجاوب دمشق مع مؤشرات الانفتاح العربي ورغبتها بالخروج من عنق الزجاجة الإيرانية وتطبيعها العلاقات مع الغرب.
رياح توتر العلاقة بين البلدين ظهرت جلياً بعد اتهامات طهران بتورط أجهزة أمن تابعة لقوات الحكومة السورية بتسريب معلومات حول تحركات عناصر وقياديين في الحرس الثوري الإيراني، وهو ما دفع طهران لوضع خطط لإخلاء سوريا من أتباعها بسبب الضربات الإسرائيلية.
وبالفعل أقدمت قيادات الحرس الثوري الإيراني على إخلاء مقارها وانتقلت إلى مناطق على الحدود السورية اللبنانية، رغم التأكيدات الإيرانية خلال بيان لمكتب مستشار المرشد الأعلى في إيران، بأن الأخبار التي يتم تداولها بشأن العلاقات مع سوريا أخبار كاذبة ومجهولة المصدر.
إلا أن هذه التأكيدات الإيرانية لم تغير موقفَ دمشق الرافض لفتح الأراضي السورية أمام حزب الله وإيران للعمل ضد إسرائيل وتحويل البلاد لقاعدة لشن هجمات ضد تل أبيب، أضف إلى ذلك ما تناولته تقارير عن مصادرة الحكومة السورية لمستودعي ذخيرة لحزب الله في ريف دمشق وتقييد حركة عناصر الحزب والفصائل الإيرانية في حمص، ونشر تبليغات للمكاتب العقارية في دير الزور بعدم بيع وتأجير المنازل لغير السوريين.
ومنذ سنوات الأزمة السورية الأولى، كانت إيران أحد أبرز داعمي الحكومة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، حيث ينتشر في سوريا نحو 3 آلاف عنصر ومستشار عسكري من الحرس الثوري الإيراني في البلاد، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، لكن طهران تتحدث فقط عن وجود مستشارين يعاونون قوات الحكومة السورية.
