ما جرى في ليلة الخامس عشر من تموز يوليو عام 2016 وما تبعها من إجراءات أطلقت يد سلطات النظام التركي لشن حملة قمعية سياسية واسعة النطاق واعتقالات جماعية، أعاد إلى الذاكرة حادثة حريق الرايخستاغ المدبر في البرلمان الألماني في السابع والعشرين من فبراير شباط عام 1933 ليتمكن الرئيس الألماني أدولف هتلر من تعزيز قبضته على السلطة والقضاء على معارضيه، وفق وصف محللين للانقلاب المثير للجدل في تركيا.
ففي ليلة الخامس عشر من /يوليو 2016، قرابة الساعة 23,00 بالتوقيت المحلي حاول عناصر ما وصفهم النظام التركي بأنهم منشقون من الجيش التركي الاستيلاء على السلطة باستخدام الطائرات ونشر دبابات في شوارع أنقرة وإسطنبول لمهاجمة المباني الحكومية.
قوات النظام التركي أعلنت في بيان قبيل منتصف الليل حظر تجول وفرض الأحكام العرفية في البلاد أعقبها إغلاق الشرطة الشرايين الرئيسة المؤدية خصوصاً إلى ساحة تقسيم، والجسور الممتدة على مضيق البوسفور في إسطنبول كبرى المدن التركية.
الساحات والشوارع في تركيا تحولت إلى مسرح لاشتباكات شاركت فيها مقاتلات ودبابات وأثارت عمليات عنف في أنقرة وإسطنبول لم تحدث منذ عقود جراء مواجهات بين ما أسموهم بالمتمردين من جهة والجنود الموالين وعشرات الآلاف من المدنيين الذين تقاطروا إلى الشوارع بعد دعوة رئيس النظام التركي أردوغان لمواليه من منتجع مرمريس الساحلي عبر هاتف خلوي لصحافية في محطة سي إن إن تورك التلفزيونية.
وقال أردوغان في مكالمة فيديو نقلها التلفزيون التركي، إن أقليةً داخل الجيش تحاول الانقلاب على الحكومة التركية، وحضّ أنصاره على النزول إلى الشوارع ومقاومة ما أسماهم بالانقلابيين، ما أدى إلى مقتل أكثر من 250 شخصاً وإصابة نحو 2000 آخرين.
ومع الإعلان عن السيطرة على الأوضاع في البلاد، شنت سلطات النظام التركي حملة قمع واعتقالات واسعة طالت الأوساط المدنية والعسكرية، استهدفت تسريح 23364 عسكرياً واعتقال أكثر من 4000 قاض ومدع عام بالإضافة لتوقيف نحو 100000 ألف شخص في القطاع العام عن العمل وأصدرت المحاكم أحكاماً بالسجن المؤبد بحق 3000 شخص.
كما تم إغلاق 179 مؤسسةً إعلاميةً، بما في ذلك ثلاث وخمسين صحيفةً وسبع وثلاثين محطةً إذاعيةً وأربع وثلاثين قناةً تلفزيونيةً، وتسع وعشرين دار نشر، و20 مجلةً، وسجن أكثر من 200 صحافي فضلاً عن تشديد القيود على وسائل إعلام رقمية وفرض قواعد صارمة عليها، وتعيين أشخاص منتمين إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم في الوظائف الشاغرة بعد فصل عشرات الآلاف.
واتهم رئيس النظام التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة بتدبير محاولة الانقلاب مطالباً إياها بتسليمه إلى السلطات التركية، فيما شككت الحكومات الأجنبية وأجهزة الاستخبارات الأوروبية برواية أردوغان قائلةً إنها غير مقتنعة بأن غولن هو الذي أمر بتنفيذ الانقلاب،
كما شكك العديد من المحللين بصحة رواية أردوغان حول الانقلاب المزعوم ووصفوه ” بانقلاب مسيطر عليه” ومدبر من قبل النظام التركي مستعرضين عدة تناقضات تدعم تحليلاتهم ومنها أنّ شبكة الإنترنت كانت تعمل بصورة طبيعية، ووسائل الإعلام كانت تبث كل التفاصيل وتدعو الجماهير للخروج إلى الشوارع، وعدم اعتقال أي وزير أو مسؤول رفيع المستوى، وأردوغان يعود إلى إسطنبول دون عراقيل رغم معرفة مكان وجوده في مارماريس، والهجوم طال الفندق الذي كان ينزل فيه أردوغان بعد مغادرته، والمروحيات التي هاجمت مقر الاستخبارات لم تصب الهدف، وعدم محاصرة مقر الاستخبارات، والقائمة بأسماء الانقلابيين كانت جاهزةً قبل إجراء أي تحقيق، وعدم اعتقال الرئيس أو رئيس الوزراء بحكم أنهم الهدف الأول في الانقلابات.
فجميع الوقائع والأحداث التي صاحبت ليلة الخامس عشر من تموز تشير إلى أن الانقلاب العسكري كان مخططاً له مسبقاً لينتهي بالفشل من أجل أن يتخذه أردوغان ذريعةً لعملية تصفية شاملة بتركيا استهدفت الأوساط السياسية والعسكرية والمدنية ولتعزيز سلطته وفرض إرادته على مقدرات البلاد،
ولم يدم الأمر طويلاً حتى تبين أن الانقلاب المزعوم قد أصبح ورقةً بيد أردوغان لتمرير سياساته ومخططاته حيث قرر تحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في نظام يلغي منصب رئيس الحكومة لترسيخ قبضته على البلاد، عبر استفتاء أجري في 16 نيسان أبريل من عام 2017 بضغط من أردوغان الذي طالما كان يحلم منذ أمد بعيد بتوطيد سلطته عن طريق تعديل الدستور، والذي وصف حينها المصوتين بلا على الاستفتاء بأنهم متواطئون مع ما أسماهم بالانقلابيين.
رئيس النظام التركي لم يقف عند هذا الحد بل عدل قوانين تخوله صلاحية التفرد بتعيين كبار القضاة في المحاكم العليا، والمسؤولين في مفاصل الدولة، وبات يتحكم بالسلطة، كما شكل قيادةً جديدةً للجيش بكوادر متماشية مع سياسات حزب العدالة والتنمية في خطوة عدها محللون بأنها فصل هيكل الجيش المقرب من حلف الناتو.
وبعد حملة التصفية الشاملة وتصفية العسكريين الذين كانوا يعارضون سياسات أردوغان، أمر أردوغان قواته بالدخول إلى سوريا واحتلال أراضيها بالإضافة إلى دخول العراق وليبيا ودول أخرى وباتت تركيا طرفاً في جميع النزاعات في منطقة الشرق الأوسط.
ولعل الإجابة عن سؤال من المستفيد يؤكد أن انقلاب 15تموز يوليو كان مسرحيةً محبوكة الإخراج من قبل رئيس النظام التركي رجب أردوغان لوضع أسس نظام حكم الرجل الواحد ليتحكم بالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية في البلاد، وذريعةً لمعاقبة خصومه السياسيين متى ما دعت الحاجة.
