شكّل اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية نقطة تحولٍ بارزة في مسار الأزمة السورية، باعتباره أول إطارٍ سياسي وتنفيذي يضع آليةٍ واضحة لإعادة دمج مناطق شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية. وجاء الاتفاق في مرحلةٍ حساسة شهدت فيها البلاد تحولاتٍ سياسية وأمنية متسارعة، وسط مساعٍ داخلية ودعمٍ إقليمي ودولي لإنهاء حالة الانقسام الإداري والعسكري التي استمرت لسنوات.
الاتفاقُ نصَّ على وقفٍ شامل لإطلاق النار، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وضمان عودة المهجّرين إلى مناطقهم، إضافة إلى التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تقسيم أو انفصال، باعتبار هذه البنود تشكل الأساس الذي تستند إليه المرحلة الانتقالية الجديدة.
—————
حصيلة ستة أشهر.. التنفيذ يمضي وعقد تنتظر الحل
وبعد مرور ستة أشهر على توقيع الاتفاق، تبدو حصيلة التنفيذ متفاوتة بين ما تحقق على الأرض وملفات مازالت تحتاج توافقاتٍ سياسية وإدارية أكثر عمقاً في الوقت الذي شهدت فيه بعض المناطق خطواتٍ عملية تمثلت في تعزيز التنسيق الأمني، وإعادة تفعيل عددٍ من المؤسسات الخدمية، إلى جانبِ تشكيل لجانٍ مشتركة لمتابعة ملفات الدمج وإعادة هيكلة المؤسسات.
في المقابل، لا تزال عدة ملفات جوهرية تنتظر تفاهمات نهائية، في مقدمتها تحديد وضع مناطق شمال وشرق سوريا ذات الغالبية الكردية ضمن إطار الدولة السورية، ومستقبل تدريس اللغة الكردية والاعتراف بها ضمن المنظومة التعليمية وفي الدستور السوري الجديد، إلى جانب آليات إدارة المؤسسات المحلية وضمان تمثيل مختلف المكونات في مؤسسات الدولة.
كما يبرز ملف عودة النازحين، ولا سيما أهالي سري كانيه/رأس العين، كأحد أكثر البنود حساسية، إذ تؤكد الأطراف على ضرورة تأمين عودة آمنة وطوعية وكريمة للسكان إلى مناطقهم، مع توفير الضمانات الأمنية والخدمية التي تكفل استقرارهم ومنع تكرار موجات النزوح.
—————
لقاء دمشق.. دفع عجلة تنفيذ الاتفاق
وفي خطوةٍ تعكس استمرار قنوات الحوار بين الجانبين، استضاف قصر الشعب في العاصمة السورية دمشق قبل أيام اجتماعاً جمع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والسياسية الكردية إلهام أحمد، مع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
وركّز الاجتماع على استكمال تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، ومتابعة آليات الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى تقييم ما تحقق خلال الأشهر الماضية، وبحث العقبات التي تعترض تنفيذ البنود المتبقية، في محاولةٍ لإعطاء دفعة جديدة للمسار السياسي والتنفيذي.
————
اختبار المرحلة الانتقالية
ويُنظر إلى ملف دمج المؤسسات العسكرية والمدنية باعتباره الاختبار الأبرز لنجاح الاتفاق، إذ إنَّ نجاح هذا الملف من شأنه أنَّ يعزز سلطة الدولة ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً، وهذا مرهون بقدرة الأطراف على بناء الثقة، وتجاوز إرث سنوات الصراع، وإيجاد صيغة توازن بين خصوصية مناطق شمال وشرق سوريا ومتطلبات الدولة بما يحفظ حقوق جميع المكونات السورية ضمن إطار وحدة البلاد.
————–
رهانات المرحلة المقبلة
واليوم تدخل عملية تنفيذ الاتفاق مرحلةً أكثر حساسية، إذ أصبح التحدي الحقيقي هو ترجمة ما تم توقيعه سابقًا من تفاهمات إلى خطوات عملية يشعر بها المواطن على أرض الواقع، سواءً من خلال تحسين الخدمات، أو تعزيز الأمن، أو تهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين والمهجرين.
وعلى الرغم من التقدم الذي تحقق خلال الأشهر الماضية، يبقى نجاح الاتفاق مرهوناً بمدى التزام جميع الأطراف بتنفيذ بنوده كاملة، ونقل التفاهمات السياسية من إطارها النظري إلى مؤسسات فاعلة تدير المرحلة المقبلة.
فهل تنجح دمشق و”قسد” في استكمال مسار الاندماج وبناء شراكة مستقرة تعزز وحدة الدولة السورية، أم أن تعقيدات السياسة والميدان ستؤجل تنفيذ ما تبقى من الاتفاق؟
