“حقاً هي الأزماتُ لا تُبقي ولا تَذر”… ما عاشتهُ سوريا خلالَ سنواتِ الحربِ المريرةِ ربما لم يشهدْ له العالمُ مثيلاً، فبعدَ تحول العددِ الأكبرِ من سكانِها ما بينَ نازحٍ ولاجئ، ها همُ الآلافُ اليومَ من التُّجارِ والصناعيينَ وأصحابِ العقولِ والكفاءاتِ في مناطق سيطرة الحكومة السورية، يَلحقونَ بركبِ المغادرين نتيجةَ التضييقِ والابتزازِ وانعدام الفرص، مثبتينَ أن لا حلولَ قريبةً أو حياةَ كريمةً في ظلِّ تعنُّتِ الحكومة أمامَ كلِّ ما طُرِحَ ويُطرَحُ لإرساءِ المركبِ المُتهالِكِ، وإنْ كانتْ من الغارقين.
هجرة التجار والصناعيين وأصحاب العقول والكفاءات، ربما كشفت الوضعَ المتأزِّم في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، ولكنها تخفي وراءَها أفقاً مسدوداً لمصدر عيش الكثير من السوريين، في ظل ما تشهده البلاد من تدهورٍ اقتصاديٍّ متسارع وتردٍّ أتى على مقدراتِهم وسبلِ كسبِهم.
الانهيار الكبير والمستمر لقيمة الليرة السورية، مقابل العملات الأجنبية، والارتفاع الخيالي للأسعار، وتزايد انعدام القدرة الشرائية للمواطنين، فرضت حالةً من الركود غير المسبوق على عموم أسواق مناطق سيطرة الحكومة، وتسببت في خسائر كبيرة لأصحاب المحال التجارية، وهو ما دفع بالآلاف منهم للهجرة، بحسب بعضهم، بينما يقول تجّارٌ آخرون، إن الإجراءات القاسية والضرائب التعسفية التي تفرضها الحكومة على أموالهم لتغطية العجز الاقتصادي الذي تعاني منه خزينتها هو السبب الأول والرئيس وراء فرارِهم من مناطقِ سيطرتِها.
وممّا دفع الكثير من الصناعيين والتُّجَّار للهجرة أيضاً هو ما شهدته بعض معاملِ حلب على أيدي الاحتلال التركي وفصائله المسلحة إبان سيطرتهم على أجزاءٍ من المدينة وريفها، حيث تمّ تفكيكُ الكثير منها ونهبُها ونقلُها إلى تركيا في عملية سرقةٍ موصوفة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.
مصادرُ في الأوساط الصناعية السورية أفادت بفقدان رؤوس الأموال وأصحاب المشاريع في مناطقِ الحكومة أيَّ أملٍ بتحسُّن الأوضاع، جرّاء عدم توفُّر حوامل الطاقة وصعوبة تأهيل المعامل وغيرِها من أعباءٍ ترفع تكاليف الإنتاج وتكبّد الصناعيين خسائرَ باهظة، بالترافق مع القرارات الحكومية المعوّقة للعمل ورسوم الجمارك والضرائب التي تجبى بطرق المداهمات، وغيرها.
محللون ومتابعون للشأن السوري، حذروا من تداعيات تلك الهجرة على عموم البلاد، مؤكدين أن لا حلول للحد من تلك الظواهر، دونما العمل على معالجة الأسباب الرئيسة الكامنة وراء تغطية أزمةٍ بافتعال أزمات، وهو ما تقوم به الحكومة السورية وما تسمّى المعارضة طيلةَ سنوات الأزمة، دون الركون لمشاركة أطرافٍ ومكوناتٍ فاعلة في المعادلة السورية، أثبتت فعاليةً لا نظير لها في الإدارة، وقدَّمت مشاريعَ وأطروحاتٍ من شأنها محاباةُ الواقع حتى الوصول بسوريا والسوريين إلى برِّ الأمان.
