مع تقهقهر العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وإعلان هزيمة الدولة العثمانية على يد دول الحلفاء، التي فرضت على “الرجل المريض” توقيع اتفاقية سيفر، وهي الاتفاقية التي بموجبها تنازلت الدولة العثمانية عن الكثير من الأراضي التي كانت تابعة لها، كما قسم المنتصرون الأراضي الباقية من الخريطة العثمانية، كل حسب مصالحه وأطماعه في المنطقة.

وبموجب المعاهدة التي وقعت في العاشر من آب/ أغسطس عام 1920 في معمل للخزف في مدينة سيفر بفرنسا، مُنحت تراقيا والجزر التركية الواقعة في بحر إيجة لليونان، كما نالت شبه الجزيرة العربية وأرمينيا اعترافاً بالاستقلال، وقبلت الدولة العثمانية خضوع كل من العراق وسوريا للانتداب البريطاني والفرنسي.

ونصت المعاهدة كذلك على تقليص عدد الجنود في الجيش العثماني لقرابة خمسين ألف جندي، واعتبار مضائق البوسفور والدردنيل مناطق مجردة من السلاح وتحت إدارة عصبة الأمم.
وفيما يتعلق ببنود المعاهدة الخاصة بالشأن الكردي فقد أقرت المعاهدة على حصول كردستان على الاستقلال حسب البندين 62 و 63 من الفقرة الثالثة، والسماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان استناداً إلى البند 62.
وتعد معاهدة سيفر وثيقة نادرة في تاريخ القضية الكرديّة، إذ تحدثت حول العمل لحلها على مراحل، وإذا اجتاز الكرد هذه المراحل، وطالبوا بالاستقلال، ورأت دول الحلفاء أحقية الكرد بذلك، يصبح الاستقلال أمراً واقعياً، وعلى الحكومة التركية الاعتراف بذلك.

وأقرت هذه الخطوات تدويل القضية الكردية لأول مرة، رغم رفض الدولة العثمانية التي حاولت مراراً أن تصفها بمشكلة داخلية تستطيع حلها، دون أن تدول بصورة رسمية.
المعاهدة لم تعمر طويلاً، لعدة أسباب أهمها، تخوف بريطانيا وفرنسا من تحالف وشيك بين مصطفى كمال الذي انقلب على السلطان العثماني محمد السادس، وبين الاتحاد السوفييتي الذي سعى لنشر الشيوعية في دول جديدة.

هذا التخوف دفع دول الحلفاء لعرض دراسة بنود المعاهدة من جديد، لتتمخض المفاوضات الجديدة عام 1923 عن معاهدة لوزان، وهي المعاهدة التي رسمت حدود تركيا الحالية، ونقضت معاهدة سيفر وأنهت مفعولها رسمياً.

إذاً قضت لوزان على سيفر، رغم أن الأخيرة كانت قائمة على مبادئ ويلسون الأربعة عشرة التي نصت على إعطاء الشعوب غير التركية التي كانت خاضعة في السابق للدولة العثمانية حق تقرير المصير.
فيما قسمت لوزان الوطن التاريخي للكرد، حتى أن المعاهدة تجاهلت ذكر اسم الكرد أو كردستان في بنودها، التي ركزت على رسم الحدود، وحماية الأقليات الدينية في تركيا واليونان، وما يزال الكرد منذ ذلك الحين يتطلعون إلى إنصاف دولي لقضيتهم، ويسعون إلى ذلك ما استطاعوا إليه سبيلا.
