يعتبر التغيّر المناخي الناجم عن الاحتباس الحراري من الملفات التي تؤرِّق العالم، حيث تهدد ظواهره وتداعياته نصف سكان العالم والحياة الطبيعية فيه، بمخاطر جسيمة خلال السنوات المقبلة، ما دعا المجتمع الدولي لاستنفار طاقاته وحشد الجهود لمواجهة هذه الظاهرة ومحاولة إيجاد حلول لها، فشكلت اللجان وعقدت الندوات والمؤتمرات والتي كان آخرها مؤتمر “كوب 27” بمدينة شرم الشيخ المصرية، بحضور زعماء وقادة الكثير من دول العالم.
فالاحتباس الحراري أدى إلى تغيرات كثيرة على كوكب الأرض، تهدد حياة الملايين، من بينها ذوبان الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات وحرائق الغابات، واضطراب في هطول الأمطار، ما أسفر عن فيضانات وأعاصير في بعض المناطق وجفاف وتصحر في مناطق أخرى.
وتعتبر الأنشطة البشرية المحرك الرئيسي لتغير المناخ، إذ إن استخدام الوقود الأحفوري المتمثل بالنفط والغاز والفحم يتسبب بأكثر من 75 في المئة من انبعاثات الغازات الدفيئة ونحو 90 في المئة من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى التغيرات في نشاط الشمس أو الانفجارات البركانية الكبيرة.
وتعد الولايات المتحدة والصين والهند من أكثر الدول المسببة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وذلك رغم أن واشنطن وبكين تقولان إنهما تكافحان وتبذلان الجهود لتحقيق التوازن بين مطالب النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات الغازية، إلا أن المصانع والمعامل بالبلدين سواءً العسكرية منها أم المتخصصة بجوانب أخرى، تعتبر من أكثر مسببي هذه الانبعاثات.
بالمقابل تعتبر دول العالم الثالث والقرن الإفريقي ودول شرق المتوسط هي الأكثر تأثراً بتغير المناخ، بحسب تقارير للأمم المتحدة، إذ تعاني من ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه والجفاف وتآكل في سواحلها على البحر المتوسط الذي يرتفع منسوب المياه فيه، كما أن البنية التحتية الهشة وسوء الإدارة والفساد زادت من حجم التأثير عليها، حيث قالت منظمة “غرين بيس” المعنية بقضايا البيئة في تقرير لها، إن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشهد ارتفاعاً بدرجات الحرارة يعادل ضعفي المتوسط العالمي.
التقرير توقع أن تعاني ثمانين في المئة من المدن المكتظة بالسكان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من موجات الحر، وأن تتجاوز درجات الحرارة ستين درجة مستقبلا في بعض مناطق الشرق الأوسط ودول الخليج، في ظل انبعاثات عالية للغازات المسببة للاحتباس الحراري.
فيما تشير تقديرات أممية إلى أن سوريا والعراق من أكثر البلاد عرضة للجفاف إذ إن الأخير مهدد بخسارة عشرين في المئة من مياهه العذبة عام ألفين وخمسين في حال ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار درجة واحدة، أما في سوريا فقد أصبح الحصول على المياه الصالحة للشرب يشكّل تحدياً لملايين السوريين، حيث سبب تغير المناخ ضغطاً هائلاً على خزانات المياه والأنهار، بالإضافة إلى الصراع القائم منذ عقد والذي فاقم من تدهور الأمور.
ومما زاد من كارثية الوضع في العراق وسوريا، تحكم النظام التركي بأكبر مصدرين للمياه في البلدين وهما نهرا دجلة والفرات وقيامة بتخفيض حصة البلدين بشكل مستمر، مما تسبب بجفاف الكثير من البحيرات والأهوار، وانخفاض مساحات الأراضي الزراعية المروية، وندرة المياه الصالحة للشرب.
