أكثر من سبعمئة وأربعين قتيلاً مدنياً عراقياً وآلاف الجرحى خلال أقل من ست سنوات، هذه ليست حصيلة ضحايا هجمات تنظيم داعش الإرهابي أو الغزو الأمريكي، إنها حصيلة ضحايا الاعتداءات العسكرية التركية المستمرة على الأراضي العراقية وخاصة في إقليم كردستان وقضاء سنجار، منذ العام ألفين وستة عشر، وَفقاً لتقاريرِ منظماتٍ حقوقية غيرِ حكومية.

إلا أن الأشد فظاعة في تلك الاعتداءات، هي المجزرة المروعة التي ارتكبها جيش النظام التركي، في ظهيرة يوم الأربعاء الموافق للعشرين من تموز يوليو عام ألفين واثنين وعشرين، عندما استهدف بالأسلحة الثقيلة، مصيف برخ السياحي في زاخو التابعة لمحافظة دهوك بإقليم كردستان، والتي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين شخصاً بين قتيل وجريح معظمهم من النساء والأطفال، وغالبيتهم من محافظات وسط وجنوبي العراق.

معظم الناجين من تلك المجزرة أكدوا أن جيش النظام التركي شن قصفاً مدفعياً عنيفاً على المصيف، بعد دقائق من وصول نحو عشرين حافلة تحمل سيّاحاً من مختلف المحافظات العراقية، معظمهم من النساء والأطفال، حيث تحولت جوانب الحياة البعيدة عن صخب المدينة في تلك المنطقة إلى جحيم، اختلطت فيه مياه الطبيعة مع دماء الأبرياء، وتلطخت الأشجار والحجارة بالأشلاء.

نعمه الجريخي – والد طه عبد الزهره أحد ضحايا مجزرة زاخو
بعد المجزرة صرح قائممقام مدينة زاخو مشير محمد بشير أن الهجوم ناجم عن قصف تركي، ونددت الحكومة العراقية بالمجزرة، التي سارع النظام التركي إلى محاولة التنصل من المسؤولية عن ارتكابها، واتهم مقاتلي حزب العمال الكردستاني بتنفيذها، لكن الإدانات الرسمية من العراق والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وبعض الدول الأخرى، حمّلت أنقرة بشكل مباشر أو غير مباشر، المسؤولية عن ارتكاب المجزرة.
لم تشفع دموع الأمهات اللواتي أثكلتهن المجزرة الشنيعة التي ارتكبها جيش النظام التركي، في دفع الألم وشفاء صدور ذوي الضحايا بإنصافهم وتحقيق العدالة لقضيتهم، بما يزيل شيئاً من القهر والحرمان الذي عايشوه إثر تلك المجزرة وما يزالون، وهذه دموع أم مفجوعة بفقد ولدها البكر وفلذة كبدها تروي ما عجزت الكلمات أن تعبر عنه.

والدة طه عبد الزهره أحد ضحايا مجزرة زاخو
علاء العوادي والد عباس العوادي أحد ضحايا مجزرة مصيف دهوك، يروي أيضاً بألم يعتصر قلبه فاجعة ولده بعد ثلاثة أيام من زواجه، الذي أفسد القصف التركي ما كان جارياً من طقوس أفراح أهله وأصدقائهم، وحولها إلى ترح أدمى قلوبهم.

علاء العوادي – والد عباس العوادي أحد ضحايا مجزرة زاخو
وعلي إثر المجزرة اجتمع مجلس الأمن الوطني العراقي واتخذ عدة قرارات ضد تركيا، منها تكليف وزارة الخارجية بإعداد ملف حول اعتداءات تركيا على سيادة العراق وأمنه، ورفع هذه الملفات إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أسرع وقت ممكن، واستدعاء السفير التركي وتسليمه مذكرة احتجاج، واستقدام القائم بالأعمال العراقي في أنقرة للتشاور ووقف إجراءات إرسال سفير جديد إلى تركيا، ومطالبتها باعتذار رسمي وسحب قواتها من كامل الأراضي العراقية، والتنسيق مع الإقليم لمنع تكرار الانتهاكات، مع متابعة أوضاع ضحايا الهجوم وعوائلهم، وتقديم التعويض لهم.
لكن معظم هذه الإجراءات والمقررات لم تبصر النور حتى الآن، ولم تلتفت أي من الجهات المعنية لقضية الضحايا ومناشدات ذويهم.
نظمت احتجاجات حاشدة في النجف وكربلاء تنديداً بالمجزرة والاعتداءات التركية، فأغلقت المكاتب القنصلية التركية التي تصدر التأشيرات بسبب الاحتجاجات، وحاصر المحتجون السفارة التركية في بغداد، فيما شكلت لجنة أمنية برلمانية للتحقيق في المجزرة، وأجريت زيارات ميدانية للمسؤولين إلى موقع ارتكابها، ووصفها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالانتهاك السافر للسيادة العراقية، وشدد على أن بغداد تحتفظ بحق الرد عليها، وستقوم بالإجراءات اللازمة لحماية شعبها وتحميل الطرف المعتدي كل تبعات التصعيد المستمر.

د. فتاح الشيخ – سياسي مستقل
الصدمة التي عاشها ذوو الضحايا كانت مضاعفة، تحت وطأة الإهمال الحكومي والتراخي في التعاطي مع القضية، حيث جرى تجاهل مرتكبي المجزرة في التحقيقات والأوراق الرسمية، وجاءت البيانات في ملفات التحقيق وكأنها تريد تقييد الفعل ضد مجهول، ليبقى ذوو الضحايا يراوحون بين المؤسسات الحكومية في العراق وإقليم كردستان، والتي لم تمنح رسمياً للضحايا صفة شهداء، أو تكلف نفسها عناء متابعة قضيتهم أو التواصل مع عوائلهم.
أما موقف حكومة إقليم كردستان، فقد جاء مخيباً لتطلعات الشارع العراقي، حيث عمدت حكومة الإقليم إلى سياسة توزيع المسؤولية على حزب العمال الكردستاني والنظام التركي كعادتها بعد كل اعتداء تركي، وهو توزيع منحاز يساوي بين الضحية والجلاد، ويحاول صرف النظر عن المسؤول المباشر في ارتكاب أعمال القصف للمناطق المأهولة بالسكان، وقتل المدنيين وترويعهم، وتدمير الطبيعة.

وبعد عام على مجزرة زاخو ما تزال الجهات الرسمية تحاول طي صفحتها، بإهمال مطالب ذوي الضحايا ومعظم العراقيين بالرد على مرتكبيها ومحاسبتهم، مكتفية ببيانات الإدانة والتنديد، وسط تجاهل تام لسبل الرد المناسبة، بدءاً بإنهاء الوجود التركي على أراضي العراق وإقليم كردستان، ومنع أي اعتداءات أخرى تزعزع استقرار البلاد وتهدد سيادتها وسلامة مواطنيها.

قبل مجزرة زاخو بعشر سنوات ارتكبت الطائرات التركية مجزرة أخرى في قرية روبوسكي القريبة، راح ضحيتها أربعة وثلاثين كردياً كانوا يعملون بنقل البضائع لإعالة أطفالهم، وبعد روبوسكي ارتكب الاحتلال التركي مجازر شنيعة وما يزال بحق مكونات شمال وشرق سوريا، من عفرين إلى تل أبيض كري سبي فرأس العين سري كانيه وصولاً إلى ديريك المالكية، وحتى قضاء سنجار العراقي.
كل تلك المجازر والجرائم التي خلفت مئات الضحايا من المدنيين والعسكريين، مرت دون محاسبة لمرتكبيها، ودون أن تحرك السلطات الحاكمة في سوريا أو العراق ومعهم المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية ساكناً لوقفها، أو مجرد المطالبة بإنهاء الاحتلال شمالي سوريا، وخروج جيش النظام التركي من الأراضي العراقية، ما يجعل الباب مفتوحاً أمام ارتكاب المزيد من المجازر في تلك المناطق، طالما أصبح المنطق السائد فيها إفلات المجرمين من العقاب.
إعداد وتحرير :ضياء التمر
