بينما يَفترض لسان حال الإنسانية أن تكون أنامل الأطفال الناعمة بين مقاعد الدراسة ومدن الملاهي، أو أن يحومون كفراشات حقل بين الأزاهير، إلا أن الواقع المرير يأبى إلّا أن يشوه هذه الصورة الوردية ويلطخ صفاءها ونقاءها بملوثات الحياة التي تختلط بين رماد القسوة وزيوت محركات الطمع وطين الجشع، مع شيء من انعدام الإنسانية.
يمتشق هؤلاء الأطفال بعض ابتساماتهم خلسة عن الألم، في أثناء عملهم، وذلك بعد رميهم في حلبة الحياة مبكرًا، مبعدين عن طفولتهم التي لن تتكرر، مبعدين عن خط سير حياتهم القويم، مبعدين عن تلك الوسادة الوثيرة، التي كانت بالنسبة لهم النافذة التي يلجون من خلالها إلى أحلامهم، هناك، حيث يرسمون تفاصيل مستقبلهم بكل براءة، ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن المستقبل سيأتي مبكرًا وأن الحياة بهذه القسوة.
لا شك أن هؤلاء الأطفال هم جيل المستقبل، ولكن يبدو أنهم تعثروا بعتبة المستقبل التي لم يهيئوا أنفسهم بعد لارتقائها، فكانوا لقمة سائغة في أفواه المستغلين، الذين هم إلى جيوب هؤلاء الأطفال أقرب منهم إلى قلوبهم.
لعل الخطورة تكمن في أن بعض أرباب العمل وأولياء الأمور باتوا يجدون من عمل الأطفال أمرًا لا بد منه، على اعتباره إضافة للإنتاج والدخل، ويتطور ببعضهم الأمر إلى استخدام العنف معهم كالضرب والتوبيخ، وهذا ما يزيد الطين بلة، ويكشف عن الجانب المظلم في استغلال الأطفال من أجل العمل.
ليس خافيًا على أحد مدى التأثير السلبي لهذه الظاهرة على المجتمع ككل، حيث تندثر القيم وتسود بدلا عنها مفاهيم مغلوطة، تصبح مع مرور الزمن من المسلمات، دون اكتراث للمخاطر التي تترتب على عمل الأطفال، ولا سيما في ظل غياب التوعية لديهم، والقلق من انزلاقهم في مهاوي الانحراف عن القوانين والأنظمة، وبالتالي انشار الفساد في هذه الفئة.
للعمالة عواقب ومخاطر وخيمة تؤثر على الطفل في المقام الأول ولعل من أبرزها الشيخوخة المبكرة، والاكتئاب، وسوء التغذية، تهميش الأطفال والسيطرة عليهم، ونشوؤهم في ظروف مهينة بعيدة عن جميع المبادئ والحقوق الأساسية للبشر، انتشار الأمية وبالتالي لن يتمكن الطفل من النمو بشكل طبيعي في حياته الاجتماعية والمهنية، كما إنه قد يضطر الطفل في أثناء العمل لاستخدام أدوات خطرة، أو مواد كيميائية سامة.
مع تعاظم هذه الظاهرة اتجهت جهود المجتمع الدولي إلى مكافحتها لما يترتب عليها من آثار سلبية تنعكس على مستقبل الأطفال من خلال حرمانهم من أبسط حقوقهم في الطفولة والتعليم، والزج بهم في ميادين العمل الشاقة والمرهقة، لدرجة تعرض بعض الأطفال لإصابات وحالات وفاة أيضًا.
الثاني عشر من حزيران يونيو من كل عام هو اليوم الذي أطلقته منظمة العمل الدولية عام 2002 تحت مسمى “اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال”، وذلك من أجل حض منظمات المجتمع الدولي والمنظمات المحلية على القضاء على هذه الظاهرة بشتى الوسائل والسبل، سواء عن طريق حملات التوعية والدورات التثقيفية، أو عن طريق تفعيل طرق الملاحقة القانونية والمحاسبة لأرباب العمل وأولياء الأمور الذين يساهمون في تشغيل الأطفال.
القانون الدولي أقر حظرا على ثلاث فئات من عمل الأطفال الأولى تعد الأسوأ والتي عرفت دوليا بالاستعباد والاتجار بالبشر والعمل سدادا لدين وسائر أشكال العمل الجبري والأنشطة غير المشروعة، والثانية تشمل العمل الذي يؤديه طفل دونا الحد الأدنى للسن المخول لهذا النوع من العمل بالذات وفقا للمعايير الدولية، والعمل الذي من شأنه إعاقة تعليم الطفل ونموه التام، والفئة الثالثة تشمل العمل الذي يهدد الصحة الجسدية والفكرية والمعنوية للطفل سواء كان بسبب طبيعته أو بسبب الظروف التي ينفذ فيها وهو ما يعرف بالعمل الخطر.
ووفقاً لإحصاءات سابقة لمنظمة العمل الدولية، فإن عدد الأطفال العاملين قد ناهز مئة وستين مليون طفل على مستوى العالم، بعضهم لم يتجاوز الخامسة بعد، أي ما يقرب من واحد من كل عشرة أطفال في جميع أنحاء العالم، والأرقام آخذة بالارتفاع، ومنهم 72 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة، وهؤلاء الأطفال هم الآن أكثر عرضة لخطر مواجهة ظروف أكثر صعوبة والعمل لساعات أطول؛ حيث يتعين عليهم المساهمة في دخل الأسرة في سن مبكرة جدًا.
وتشمل أهداف التنمية المستدامة تجديد الالتزام العالمي بإنهاء عمالة الأطفال، حيث يدعو الهدف 8.7 من أهداف التنمية المستدامة المجتمع العالمي إلى “اتخاذ تدابير فورية وفعالة للقضاء على السخرة وإنهاء الرق المعاصر والاتجار بالبشر لضمان حظر واستئصال أسوأ أشكال عمل الأطفال، بما في ذلك تجنيدهم واستخدامهم كجنود، وإنهاء عمل الأطفال بجميع أشكاله بحلول عام 2025.”
ولعكس الاتجاه التصاعدي في عمل الأطفال، تدعو منظمة العمل الدولية واليونيسف إلى توفير حماية اجتماعية كافية للجميع، بما في ذلك منافع شاملة للأطفال، وزيادة الإنفاق على التعليم الجيد وإعادة جميع الأطفال إلى المدرسة، تعزيز العمل اللائق للبالغين، حتى لا تضطر الأسر إلى تشغيل أطفالها للمساعدة في تحسين دخل الأسرة، إلغاء المعايير الجندرية الضارة والتمييز بين الجنسين الذي يؤثر على عمل الأطفال، الاستثمار في أنظمة حماية الطفل، وفي التنمية الزراعية، والخدمات العامة في الأرياف، والبنية التحتية، وسبل العيش.
وبناء على بنود اتفاقية حقوق الصادرة عن الأمم المتحدة فإن الطفل هو أي شخص يقل عمره عن 18 سنة، كما تضمنت الاتفاقية ضرورة حماية الطفل من العنف مشددة على حماية الأطفال من الإساءة والتعرض للإهمال من قبل أي شخص مسؤول عن رعايتهم، ومن ذلك أيضًا الحماية من العملَ المؤذي، حيث يحق للأطفال وفقا لهذا البند الحصول على الحماية من القيام بالأعمال الخطرة أو الأعمال التي تمنعهم من الحصول على التعليم أو تضر بصحتهم أو نموهم. وإذا عمِلَ الطفل، فيحق له أن يكون آمناً في هذا العمل وأن يحصل على أجرٍ مناسب للعمل الذي يقوم به.
