ما ترونه أمامكم ليس مشهداً من الأرشيف، بل هو مقتطفات من وصول الرئيس السوري بشار الأسد إلى السعودية، للمشاركة في القمة العربية، بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية، ليس بين دمشق والرياض فحسب، بل بينها وبين معظم العواصم العربية، التي جافته على فعلته بحق الشعب السوري، الذي خرج في ربيع عام 2011 مطالباً بالحرية والديمقراطية، مستبشراً بعون عربي ودولي للخلاص من حكم الحزب الواحد والعائلة الواحدة المسيطرة على الحياة السياسية في البلاد منذ عام 1970.
الأسد يصل السعودية، ربما لو قالها أحدهم في وقت سابق لما صدقه أحد، لكن اليوم بات هذا أمراً واقعاً، وسيشارك في القمة ويتكلم باسم السوريين الذين قُتِل منهم قرابة مليون شخص خلال الصراع المستعر في البلاد، وهُجّر منهم أكثر من سبعة ملايين، وتعرض مئات الآلاف منهم للنزوح، فيما ما زال مصير عشرات الآلاف الآخرين مجهولاً، إذ تكتظ معتقلات الحكومة السورية بأعداد كبيرة من السوريين الذين طالبوا يوماً ما برحيل الأسد عن السلطة.
نعم، سيتكلم باسم سوريا وثلثها تقريباً بعيد عن نفوذ قبضته، فشمال غربها وشمال شرقها، خارج سيطرة قواته، التي نكلت بعديد المدن التي وقفت في وجهه، فأحياء حمص وحلب ودرعا وداريا وغيرها الكثير الكثير من المدن السورية تحولت إلى أطلال، مع اتباع القوات السورية سياسة الأرض المحروقة معها قبل السيطرة عليها.
الأسد يصل السعودية، وفي جعبته جرائم عديدة، ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تتحمل قواته المسؤولية المباشرة لبعضها، فيما تتحمل الفصائل المسلحة الموالية لها والتابعة لحليفته إيران مسؤولية بعضها الآخر، إذ تبقى مجزرة حي التضامن عام 2013، والهجمات الكيماوية على دوما بريف دمشق عام 2018 خير شاهد وفق منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، على الطريقة التي أدارت بها قوات الحكومة السورية الصراع المسلح في البلاد.
ما بين طرد الحكومة السورية من الجامعة العربية والترحيب بها اثنتا عشرة سنة، وخلال هذه السنين تنكّر الأسد للعرب، وعادى كل البلاد العربية التي ساندت الشعب السوري لنيل مطالبه، وهاجمها في خطاباته، وانهال عليها بسيولٍ من الاتهامات، بدأت بالتبعية لأمريكا وإسرائيل، ولم تنتهِ بالتقليل منها ومن تاريخها وحتى من شعوبها.
الحكومة السورية لم تدخر جهداً لمحاربة العرب طيلة هذه المدة، فكانت شحنات الكبتاغون التي ضبطتها السلطات الأردنية والسعودية في كثير من الأحيان أحد الأسلحة التي استعملتها دمشق في حربها تلك.
العرب تناسوا رصيد الأسد من الجرائم بحق الشعب السوري وبحقهم، وتجاهلوا كل وعودهم للسوريين، وبادروا لزيارته وكأنهم هم المذنبون ويطلبون الصفح منه، وأغفلوا أعينهم عن سوءات الحكومة السورية في إيجاد حل للأزمة، عبر مماطلتها وتسويفها للمطالب التي وضعها مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة للوصول بسوريا إلى بر الأمان.
الأسد سيدلي بدلوه في القمة العربية، وسيصفق له الكثير، وستتلقف كاميرات الصحفيين كل حركة له، وربما تكون كلمته الخبر الأول في نشرات الأخبار في وسائل الإعلام العربية، كيف لا وهو نال ما أراده من العرب، مسامحته عما اقترفت يداه، والترحيب به أينما حل وارتحل، وربما حصل في الخفاء على وعود بإعادة إعمار البلاد المنهكة اقتصادياً، إلا أنه على أرض الواقع ما زال رئيساً هشاً، فقراره السيادي مسلوب تحت سطوة روسيا، والنفوذ الإيراني المتنامي في أرجاء البلاد، البلاد التي تحتل تركيا أجزاء منها، بينما يتحاور هو مع نظامها من أجل عودة العلاقات كما كانت في السابق.
سيجلس الأسد على كرسي سوريا في الجامعة العربية، الكرسي الذي افتقده الأسد منذ أكثر من عقد، الكرسي المخضب بدماء السوريين والمرتكز على جماجمهم، الكرسي الذي تبرأ من الأسد بقرار عربي يوما ما، ومرحباً به بقرار عربي آخر اليوم، إنها السياسة، إنها لعبة الأمم، يكشف لاعبوها ما يرغبون، ويسترون ما يرغبون، فعودة سوريا للحضن العربي تؤكد أن خلف الأكمة ما خلفها.
فهل تكون العودة أولى خطوات الحل العربي للأزمة السورية؟ أم أنها تسليم عربي بالأمر الواقع مع بقاء الرئيس السوري في مكانه؟ أم أن الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت التي ربما ترسم واقعاً جديداً يعكس آمال السوريين وتطلعاتهم؟
