يرثي السوريون بلادهم المدمرة، وحالهم المشبع بالأوجاع والمعاناة وقصص الحزن التي لا تنتهي، جرّاء الحرب الطاحنة بين أبناء البلد، مستذكرين ما قاله الشعراء في رثاء دمشق، عندما سقطت بيد المغول في القرن السابع الهجري…والتاريخُ اليومَ يكرر نفسه لكن بطريقةٍ مختلفة.
نحو اثني عشر عاماً مرّت على اندلاع الأزمة في سوريا، ولا تزال الأجواء الضبابية وتدخّلات الأطراف الخارجية، كلٌّ حسب مصلحته، تعرقل الوصول إلى أي حلٍّ سوريٍّ – سوري، من شأنه إنهاءُ الأزمة والتخفيف من معاناة السوريين.
معاناةٌ يبدو أنها في طريقها للتصاعد، مع تكثيف الدول والأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة، تحركاتها في مسار الأزمة، وفي مقدمتها روسيا، إيران، والنظام التركي، أو كما يطلقون على أنفسهم اسم ضامني محادثات آستانا حول سوريا.
تحركاتٌ تتزامن مع صدمةٍ كُبرى وجهتها أنقرة، لأتباعها من الفصائل الإرهابية ومن يسمّون أنفسهم بالمعارضة، من خلال سياسة التطبيع مع دمشق، وهو ما يتم العمل والتحضير له في المطبخ السياسي لأزمة سوريا، أقلّه من الناحية الإعلامية.
من طهران إلى أنقرة ومن موسكو إلى دمشق ومن أنقرة إلى موسكو وطهران، وبالعكس.. اتصالاتٌ وزياراتٌ بين الرؤساء وكبار الدبلوماسيين، من أجل التوصّل إلى صيغةٍ مشتركةٍ حول سوريا، يرجّح أنها ستكون وَفق مسار ما يعرف بآستانا، لتشكيل مرحلةٍ جديدةٍ تحت عنوان التطبيع بين بشار الأسد ورجب أردوغان…. لكن أين الشعب السوري من كل هذا، وهل ما تُخطّط له هذه الأطراف يصبُّ في مصلحته…بالتأكيد لا.. فذاكرة السوريين مليئةٌ بأوجاعٍ وآلامٍ حلّت بهم بعد اجتماع هؤلاء.
تطبيعٌ وضعه أردوغان في سُلّم أولوياته في محاولةٍ لتجميل صورة حزبه التي شوّهت على مدار السنوات الماضية..كيف لا والانتخابات على الأبواب ولابُدَّ من تحركٍ عاجلٍ لإقناع الناخب في تركيا…تحرّكٌ اعتبره مراقبون للشأن التركي، مثالاً واضحاً لتجارة أنقرة بقضية السوريين.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”96wYVorMn6w”]
روسيا وإيران، رحبتا علناً بفكرة التطبيع والحوار بين النظام التركي والحكومة السورية.. فهي لغةُ المصالح.. لكنَّ الواقعَ على الأرض أظهر بعض الخلافات لتحديد زعامة وراعي التطبيع المزعوم.
دمشق من جانبها أُصيبت بالذهول بعد زيادة عُزلتها، لكنها وضعت شرطين للمُضي في تلك العملية، ينصّان على إنهاء الاحتلال التركي للأراضي السورية، وإيقاف دعم الفصائل التابعة لأنقرة، ما شكّل ربّما حجرَ عثرةٍ لأنقرة، يقول مراقبون، إن الحلَّ بيد موسكو وطهران…. لكن أين واشنطن من كل ما يجري…وأين قوات سوريا الديمقراطية التي باتت قوةً لا يُستهان بها وتجاهلُها يعتبر ضرباً من الوهم والخيال.. يقول أيضاً مراقبون.
وبناءً على ذلك فإن صفقة التطبيع المحتملة تلك بين مثلث “آستانا”، مُهدّدةٌ بالفشل، في ظل الرفض الأمريكي المُعلن إزاء أي فكرةٍ لتعويم الرئيس السوري بشار الأسد، ما يعني تقديم أنقرة لتنازلاتٍ في عدة ملفاتٍ خِلافية بين الحليفين بحلف شمال الأطلسي، ولعلَّ زيارة وزير خارجية النظام التركي الأخيرة إلى واشنطن مؤخراً، ما هي إلا لبحث تلك التنازلات.
منعطفٌ خطيرٌ وصل إليه مسار الأزمة في سوريا، مع احتدام المنافسات وحِراك المصالح الدولية والإقليمية في هذا البلد المنكوب.. فإمّا مزيدٌ من التعقيد والمعاناة للشعب السوري في مختلف المناطق، أو توحيدُ الصفوف في جبهةٍ وطنيةٍ معارضة تخوض حواراً لحلِّ الأزمة في إطار سوريا موحدة لا مركزية، تضمن حقوق السوريين بعيداً عن المصالح الأجنبية.
