مطامعُ قديمةٌ جديدة، وتنازلاتٌ كرّسها حبّ الاستئثار بالسلطة، وتاريخٌ استعماريٌّ يُحاول تعويض ما اندثر من مكاسب، وحقدٌ يعمل على طحن حضارات شعوبٍ عريقةٍ بين حَجرَي رحى القومية، للخروج بنموذج اللون الواحد، قومياً وسياسياً واجتماعياً.
إنّه ما كرّسته اتفاقية أضنة، التي وقّعت بين تركيا ممثلةً بنائب وزير الخارجية آنذاك أوغور زيال، والحكومة السورية ممثلةً باللواء عدنان بدر الدين الحسن، في العشرين من تشرين الأول أكتوبر عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وتسعين، بمدينة أضنة التركية في عهد الرئيسَين السوري حافظ الأسد، والتركي سليمان دمريل، فما هي قصّة هذه الاتفاقية؟ وإلى أين تعود جذورُها التاريخية، وما التداعيات التي خلّفتها على سوريا وشعوبها؟
تعود جذور القضية إلى عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وخمسين، مع عودة الأطماع التركية، سعياً لاستعادة الهيمنة العثمانية البائدة، في أوج صراع القُطبية والحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، إذ حشدت تركيا الآلافَ من جنودها وآلياتها مهددةً باجتياح سوريا، في واقعةٍ كادت تشعل مواجهةً بين الاتحاد السوفييتي، الذي هدّد بالردّ على اجتياح سوريا، والولايات المتحدة، التي هدّدت أيضاً بالردّ في حال استُهدفت القوات التركية، قبل أن يقوم الرئيس المصري جمال عبد الناصر بإنزال آلاف الجنود المصريين في اللاذقية، ويتم إعلان الوحدة بين سوريا ومصر.
بعد انتهاء الوحدة، ووصول حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا، مستفيداً من حالة الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والغربي، عمد إلى انتهاج تكتيك دعم حركات التحرّر الكردستانية، فسمح لحزب العمال الكردستاني بإنشاء معسكراتٍ في الأراضي السورية، واستقبل قياداته وكوادره وعلى رأسهم قائد الحزب عبد الله أوجلان، الذي أوضح أن “الأسد أفسح المجال لعلاقةٍ تكتيكيةٍ طويلة الأمد مع حزب العمال الكردستاني، لخلق توازنٍ مع تركيا”، التي تهدّد سوريا في كلّ مناسبة.
لكن مع سقوط الاتحاد السوفييتي عام ألفٍ وتسعمئةٍ وواحدٍ وتسعين، واختلال التوازنات الدولية، التي لعب حافظ الأسد على تناقضاتها في الاستئثار بالسلطة، مالت كفّة القوّة لصالح تركيا، فاضطرت دمشق لتوقيع اتفاقٍ أمنيٍّ مع أنقرة عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وتسعين، لكنّه لم يرَ النور، ولا سيّما مع استخدام تركيا المياهَ سلاحاً جديداً في فرض إرادتها، حيث قطعت عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين مياه الفرات شهراً كاملاً، ما أدّى لتوقّف سبع عنفاتٍ من أصل ثمانٍ، لتوليد الكهرباء في سد الفرات، الذي كان يوفّر سبعين في المئة من حاجة سوريا للكهرباء.
لم تكتفِ تركيا بإشهار سلاح المياه لتحقيق مآربها في الأراضي السورية، فأقدمت عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وتسعين على حشد آلاف الجنود، ومئات الدبّابات مهدّدةً باحتلال سوريا، احتجاجاً على إيوائها حزب العمال الكردستاني وقياداته، ليجد الأسد نفسه في وضعٍ حرج، خشيةً من جدّية التهديدات التركية، التي ستؤثّر على عملية توريث السلطة، التي كانت تتمّ بشكلٍ هادئ، فعمد إلى إنهاء الدعم التكتيكي لحزب العمال الكردستاني، ليغادرَ قائده عبد الله أوجلان، الذي اعتبر أن “تعرّض سوريا لضغوطٍ بسبب وجوده فيها، سيكون عاراً بعد أن استضافته تسعة عشر عاماً”.
بدأت مفاوضاتٌ سريّةٌ بين أنقرة ودمشق برعاية الجامعة العربية ومصر وإيران، انتهت بتوقيع اتفاقية أضنة، وملحقاتها السرية، التي مثّلت الخطوة الأولى في مشروع الشرق الأوسط الكبير، حتى قبل الكشف عنه، لتكشف السلطات السورية عن سياستها الحقيقية، تماهياً مع الأهداف والممارسات التركية، فبدأت نهجها العدائي تجاه الكرد وحركة التحرّر الكردستانية، رغم أن الاتفاقية لم تدخل حيّز التنفيذ رسمياً حتى العام ألفين وواحد، بعد زيارة وزير الداخلية التركي آنذاك رشتو يوجلين لسوريا، والتوقيع على الاعتراف الرسمي باتفاقية أضنة.
ومنذ عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وتسعين وقّعت السلطات السورية مع تركيا العديد من البروتوكولات ضد الكرد وحركة التحرّر الكردستانية، شملت تبادل المعلومات الاستخباراتية والقيام بعملياتٍ مشتركة ضدّ حزب العمال الكردستاني، إذ واجه الكرد سياسات القمع الممنهج، من اعتقالاتٍ وقتلٍ وتعذيب، وخاصةً لكوادر الحزب، الذين عُذِّب العشرات منهم قبل تسليمهم لتركيا.
أكثرُ ما شكّل صدمةً للسوريين لاحقاً في تلك الاتفاقية، التي كان معظم ما فيها تنازلاتٍ من جانب سوريا لتركيا، هو التخلّي الرسمي عن لواء إسكندرون، وهو ما تمّ تضمينه في الملحق الثالث من الاتفاقية، الذي جاء فيه “الطرفان يعتبران الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وإن أيّاً منهما ليس له أيّ مطالبَ أو حقوق مستحقّة في أراضي الطرف الآخر”، لتتوقف الحكومة السورية بعد ذلك عن طباعة أو نشر خرائطَ رسميةٍ يَظهر فيها لواء إسكندرون ضمن حدودِها.
إلّا أن الصدمة الأكبر، والأكثر تدميراً لسوريا حتى اليوم، كانت في الملحق الرابع من الاتفاقية، الذي كُشف عنه مؤخّراً، رغم عدم اعتراف الحكومة السورية به، وهو أن “إخفاق الجانب السوري في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق، يُعطي تركيا الحقّ في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية، حتى عُمق خمسة كيلومترات”، والذي شكّل رخصةً مفتوحةً لتركيا في احتلال الأراضي السورية.
عفرين وجرابلس والباب والراعي وإعزاز وتل أبيض ورأس العين، جميعها مناطقُ سورية احتلتها تركيا بذريعة المُلحق الرابع لاتفاقية أضنة، وارتكب فيها الاحتلال التركي مجازرَ عديدةً بحقّ السكان الأصليين، الذين هُجّر مُعظمهم منها وما يزال يحاول مع الآخرين، من خلال اتباع سياسة التغيير الديمغرافي في تلك المناطق، تزامناً مع محاولات احتلال مناطقَ أخرى تحت الذريعة ذاتها.
وقبل كلِّ هجومٍ لاحتلال منطقةٍ من تلك المناطق كان الاحتلال التركي يروّج لما نصت عليه اتفاقية أضنة، محاولاً شرعنة احتلاله، بعد أن فشلت جميع أوراقه وأدواته، وعلى رأسها استخدام تنظيم داعش الإرهابي للسيطرة عليها.
واستمراراً للنهج ذاته، وأملاً في استكمال مخطّط الهيمنة على كامل مناطق الشمال السوري، أعاد النظام التركي في الخامس من آب أغسطس الفائت، وفي سياق تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية، الحديثَ عن إمكانية تجديد اتفاقية أضنة، ما يؤشّر على نيته احتلال المزيد من الأراضي بتواطؤ مع دمشق.
مخطّطٌ بدأ واستمر بتواطؤ إقليميٍّ ودولي، لاستكمال مشروع الشرق الأوسط الكبير، وما يوازيه من مشاريعِ هيمنةٍ إقليمية، نواتُها القومية، وستارُها الدين، وأدواتُها خونة البلاد من العملاء والمتسلقين والانتهازيين، على حساب شعوب المنطقة ومستقبل أبنائها، الذين تُرِكوا فريسةً للقتل والاختطاف والتعذيب والتهجير، دون سندٍ لهم أو نصير.
إعداد: ضياء التمر
