يبدو أن الوفاق والوئام بين النظام التركي وجيرانه سيتحول إلى مستحيل رابع، يُضاف إلى المستحيلات الثلاثة الغنية عن التعريف، أو سيكون ثابتاً جديداً من ثوابت الحياة، كعدم اختلاط الزيت مع الماء.
مثل يوناني قديم، يقول: “إذا تحدث التركي عن السلام فاعلم أن الحرب قادمة”، هذا هو المثل، أما في الواقع فإن النظام التركي أرسل عبر مسؤوليه تهديداتٍ شبه يومية، بشن حرب على اليونان حليفته في حلف شمال الأطلسي، بزعم خرقها لمعاهداتٍ دولية حول عسكرة جزر في بحر إيجة.
رئيس النظام رجب أردوغان، ووزير خارجيته مولود جاووش أوغلو، ووزير دفاعه خلوصي أكار، وحتى مصطفى ساريغول رئيس حزب التغيير، الذي يصنّف نفسه معارضاً لحزب العدالة والتنمية، تناوبوا جميعهم الهجومَ على أثينا بأقسى العبارات دون حسيب أو رقيب.
الاتحاد الأوروبي، الذي تُعد اليونان إحدى دوله السبعة والعشرين، ندّد بتصريحات أردوغان وحاشيته، معرباً عن قلقه من فحواها، قبل أن تطالب أثينا كلاً من الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشجب تلك التهديدات، وإدانة سلوك أنقرة في المنطقة.
العادة في العلاقات التركية اليونانية على مدار عقود، إن لم نقل على مر العصور، هي التوتر، لكن ما الذي دفع أردوغان ورجالات نظامه لشن حرب التصريحات هذه في هذا التوقيت بالذات، وما الذي يرجوه منها، والعالم منشغل بالحرب الروسية الأوكرانية.
أجوبة الأسئلة تبدو بديهية، لو اطلعنا بحسب مراقبين على تاريخ أردوغان في صنع الأزمات للهروب من مشاكله الداخلية، وصنع عدو وهمي لكسب ود الرأي العام في تركيا، لا سيما بعد إخفاقاته الاقتصادية المتتالية، التي أودت بالعملة المحلية إلى الحضيض.
وكعادة خلافاته مع أوروبا، شرع أردوغان باستخدام سلاح اللاجئين السوريين من جديد، إذ ظهرت فجأة وبدون مقدمات دعوات على منصات مواقع التواصل الاجتماعي للسير نحو الحدود الأوروبية ضمن قافلة بشرية سُميت قافلة النور.
القافلة مجهولة النسب، أثارت عاصفةً من الأسئلة لدى مراقبين، إذ تزامن ظهورها مع التهديدات التركية لليونان، على الرغم من أن توقيت انطلاقها يتقاطع مع بدايات الشتاء في أوروبا، حتى شبهها البعض بعملية انتحار جماعي على أبواب أوروبا إرضاءً لأردوغان.
مشكلة أخرى تؤرق أردوغان، ألا وهي الانتخابات المقرّر إجراؤها في حزيران/ يونيو المقبل، انتخاباتٌ تبدو أسهم أردوغان وحزبه في الدرك الأسفل منها، وفق استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات مستقلة.
استطلاعاتُ الرأي هذه، غذت مخاوف أردوغان وحزبه من الغرق في بحر صناديق الاقتراع، لا سيما مع اقتراب المعارضة لتسمية مرشح موحد لمواجهته، وهو ما دفعه لكسب ود الأصوات المحايدة بإثارة النزعة القومية وخلق مشكلة مع اليونان.
“حرب بين تركيا واليونان”، عنوان متوقع في حال لو استمر النظام التركي بتهوره، وعدم الخضوع للغة العقل التي تحدثت بها أثينا طيلة الأيام الماضية، لكنها لو وقعت بالفعل فكيف ستكون نتائجها.
اليونان تمتلك دعماً دبلوماسياً لا متناهياً من الاتحاد الأوروبي ومن معظم دول العالم، على النقيض تماماً من النظام التركي الذي يعيش شبه عزلة عن المجتمع الدولي، على وقع انتهاكاته لحقوق الإنسان، والقمع الممارس بحق صحفيين، ونشطاء المجتمع المدني.
مكاسب الحرب إن وقعت حتماً لن تكون عسكرية صرفة، بل سيكون لها جانب سياسي أيضاً، وهنا يكمن بيت القصيد، فأردوغان يسعى من خلال تهديداته لاستثارة عواطف الأتراك والفوز بالانتخابات وفق مراقبين، لكن ماذا لو انقلب السحر على الساحر، وتكون الحرب على اليونان القشة التي قصمت ظهر البعير.
