مع معايشة الأتراك لأسوأ أزمة اقتصادية تحت حكم حزب العدالة والتنمية خلال العشرين سنة الأخيرة، تشكلت ظاهرة جديدة وهي هجرة الكفاءات العلمية ولا سيما الأطباء لخارج البلاد للخلاص مما يعانوه في الآونة الأخيرة.
مثل الأطباء الأتراك كمثل الطيور التي تهاجر من موطنها في مواسم محددة إلى مواطن أخرى، بحثاً عن الدفء حيناً، وعن الغذاء أحياناً أخرى، وتتقاطع هجرة الأطباء مع هجرة الطيور في عدة أوجه، لكنها تختلف في بعضها الآخر أيضاً.
الاختلاف الأبرز هو أن الطيور تعود إلى موطنها بعد مدة من الزمن، مع زوال أسباب الهجرة، إلا الأطباء الأتراك لا يعودون إلى بلادهم، لأن الأسباب التي دفعتهم للهجرة ما زالت قائمة.
لعل العامل الاقتصادي وتدني الأجور، يعد أحد أهم الأسباب التي تدفع الأطباء للهجرة، وبحسب نقابة الأطباء في تركيا فإن الطبيب يعمل في ظروف غير إنسانية، وأن الراتب الذي يتقاضاه يجعله تحت خط الفقر، وهو ما شكل حافزاً لبعضهم للإضراب عن العمل في شباط/ فبراير الفائت.
النقابة أضافت أن الكوادر الطبية تعمل في المنشآت الصحية رغم ازدياد حالات العنف الجسدي التي تتعرض لها من جانب المرضى وأقربائهم، مشيرة إلى استهداف 316 من العاملين في المجال الصحي خلال مئة وتسعين هجوماً منفصلاً في عام 2021.
وكان الأطباء في تركيا منذ سنوات هدفاً لهجمات من قبل مراجعي المستشفيات والمراكز الصحية، وبعضهم من أفراد عائلات متضررين ومن بعض الغاضبين بسبب جودة الرعاية الطبية أو الشكاوى بشأن الوصول إلى الأدوية أو الخدمات.
الأطباء يبحثون كذلك من خلال هجرتهم عن فرص أفضل وحياة أفضل وإنجازات أكثر فائدة، وفق عضو مجلس إدارة غرفة الأطباء في إزمير سليمان كاينك الذي عبر عن امتعاضه من سماح السلطات لهجرة الأطباء وطلاب الكليات الطبية إلى الخارج.
وغادر أكثر من 3000 طبيب البلاد للعمل في الخارج على مدار العامين الماضيين، ويخطط حوالي 8000 آخرين ليحذو حذوهم، بحسب الجمعية الطبية التركية، التي أشارت إلى تقدم أكثر من 1600 طبيب بطلبات السفر في الأشهر الثمانية الأولى فقط من العام الحالي.
ورغم كل هذه الأرقام التي يجب أن تكون بمثابة ناقوس خطر لدى سلطات النظام التركي، إلا أن رئيس النظام رجب أردوغان علق على مغادرة الآلاف من الأطباء الأتراك بلادهم نحو دول أخرى، بالقول “إذا أرادوا أن يغادروا، دعوهم يذهبون”، مبدياً عدم اهتمامه تجاه خطورة الظاهرة وأسبابها.
تصريحات أثارت حفيظة أحزاب المعارضة التي أكدت أن كلمات أردوغان هذه تعد اعترافاً بفقدانه القدرة على حل المشاكل، فبدلاً من الاستماع إلى الأطباء وحل مشاكلهم واستعادة مكانتهم، يطلب منهم الرحيل.
