نظمت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا اليوم احتفالات بعيد نوروز – رأس السنة الكردية- في مدن وبلدات المنطقة.
ونوروز له طقوسه الخاصة لدى عموم الكرد في العالم، ويعتبرونه يوماً للحرية، ويقدم فيها عروض فنية غنائية ومسرحية وراقصة.
ويعدّ الكرد “نوروز” عيداً قوميّاً، ويروون أنه اليوم الذي انتفضوا فيه في القرن السادس قبل الميلاد ضد الملك المستبد الذي كان يحكمهم وحققوا من خلالها حريتهم. ويضيفون بعض المظاهر السياسية للنوروز للتأكيد على هويتهم الذاتية وتسليط الضوء على تاريخهم.
وفي جلسة في شباط 2010 م، قررت اليونسكو إدراج عيد النوروز في القائمة النموذجية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، كما اعترفت بيوم 21 آذار بوصفه “يوم نوروز الدولي”.
نوروز كرد سوريا
عمّقت سياسات الحكومات السورية المتتالية، التي رفضت الاعتراف بالهوية الكردية في البلاد، من شعور الكرد بالتمييز ضدهم والظلم وجعلتهم أكثر تمسكاً بقوميتهم التي كانت تتعرض لمحاولات طمس بشكل مستمر.
ويُعتقد أن الكرد يشكلون ما بين 15-20 في المئة من سكان سوريا البالغ عددهم حوالي 25 مليون نسمة ولكن لا توجد إحصاءات رسمية بذلك.
وكانت احتفالات نوروز قبل الثمانينيات تقام في بساتين أو أقبية أو داخل البيوت في تجمعات صغيرة سرية بعيداً عن أنظار أجهزة الأمن.
وبدأ الكرد يخططون للاحتفال بنوروز على الملاً مستخدمين حيلاً للمضي قدماً في إحياء الاحتفالات في الثمانينيات من القرن الماضي.
ومن بعض الأساليب التي استخدموها أحياناً، تظاهر شاب وشابة بأنهما عروسان وأن الحشود ليسوا إلا مدعوين إلى حفل الزفاف.
نوروز دمشق ومقتل أحد المتظاهرين
في دمشق 1986، شددت الحكومة الإجراءات الأمنية وفرقت قوات الأمن الجماهير المحتشدة في ساحة شمدين لمنع الناس من الوصول إلى مكان الاحتفال الذي كان مقرراً في الغوطة بضواحي دمشق، فتوجهوا في مسيرة سلمية نحو القصر الجمهوري، احتجاجاً على منع الاحتفال، لكن عناصر الأمن فرقتهم بأن أطلقت الرصاص الحي عليهم، مما أدى إلى مقتل شاب يدعى سليمان آدي وإصابة خمسة آخرين.
وسرعان ما انتشر خبر مقتله، فخرج الأكراد في كل المدن التي يوجدون فيها بكثافة منددين بمنع السلطات لحفلات العيد وبمقتل الشاب. وجرى المزيد من الاعتقالات وخاصة في منطقة الجزيرة في شمال شرقي سوريا وفي مدينة حلب.
نوروز وعيد الأم في سوريا
لم يكن عيد الأم في سوريا يوم عطلة رسمية رغم إقراره عيداً من قبل السلطات في 21 مارس /آذار بعد أن اعتمدته مصر في عام 1956.
ولكن بعد احتجاجات الكرد في عام 1986 وإصرارهم على الاحتفال بعيد نوروز علناً، جاء قرار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في عام 1988، بإعلان يوم 21 مارس/آذار ، يوم عطلة رسمية، ولكن ليس بمناسبة عيد نوروز بل بمناسبة عيد الأم.
ورغم اعتماده عطلة رسمية في البلاد، كانت الأجهزة الأمنية تحاول منع الاحتفال به بوسائل أخرى، مثل فرض يوم “عمل تطوعي” من قبل المؤسسات والدوائر الحكومية والمدارس في المناطق ذات الغالبية الكردية تحت التهديد والوعيد بملاحقتهم بتهم سياسية.
أما قبل أن يتم اعتماد يوم 21 آذار، عطلة رسمية، فكانت المدارس تحدد مواعيد الامتحانات في هذا اليوم، وإذا صادف يوم نوروز عطلة نهاية الأسبوع، كان يُطلب من جميع الطلاب في الأحياء ذات الغالبية الكردية الحضور إلى المدرسة من أجل القيام بـ “عمل تطوعي”، وكذلك في بعض المؤسسات الحكومية في مناطق معينة.
طقوسُ العيد
تبدأ طقوس العيد لدى الكرد في يوم 20 آذار/مارس عند الغروب، بإيقاد نار نوروز – وهي عادة ترجع إلى تاريخ سقوط الإمبراطورية الآشورية على يد الميديين (أسلاف الأكراد) على يد كاوا الحداد الذي خرج إلى الجبل وبيده شعلة نار لإرسال إشارة النصر إلى الناس بحسب الرواية الكردية لشرح تاريخ عيد نوروز.
ومع بداية دخول القرن الـ 21، تحولت عادة إضرام النيران بإطارات السيارات، إلى مسيرات شموع منظمة، إذ كان يخرج الناس في مسيرات سلمية تجوب الشوارع الرئيسية في المدينة وهم يحملون مشاعل وشموعاً مطلقين شعارات التهنئة بقدوم عيد نوروز والمطالبة بحقوق الأكراد.
لكن الأجهزة الأمنية، كانت تفرقها وتعتقل النشطاء منهم وتقتادهم إلى السجون بتهمٍ منها “إثارة النعرات الطائفية”.
وبعد مسيرة الشموع الليلية، يخرج الناس في صباح اليوم التالي، بأزياء فلكلورية كردية إلى موقع الحفل الذي يٌحدد سلفاً في كل مدينة.
ولكن قبل وصول عامة الناس، كانت مجموعات المتطوعين والمتطوعات يخرجون بعد الفجر لبناء خشبة المسرح وحمايته من الأجهزة الأمنية التي كانت تنتشر هناك منذ الليلة السابقة لنوروز.
من سيء إلى أسوأ
بعد رحيل حافظ الأسد، واستلام نجله بشار كرسي الرئاسة، ظن الأكراد كغيرهم من السوريين، أن الشاب الذي درس في بريطانيا وأصبح طبيباً، ربما يريد عهدا جديدا. لكن الأمور ازدادت سوءاً ومُنعت التجمعات والاحتفالات بنوروز بشدة.
ففي نوروز عام 2008، أطلقت قوات الأمن النار على المشاركين في عدة مدن وخاصة في مدينة القامشلي.
وفي عام 2009، قتل اثنان في مدينة الرقة بالرصاص الحي واقتيد العشرات منهم إلى السجون، كما اعتقل العشرات في حلب ومثلها في مناطق أخرى من البلاد.
نوروز في ظل الإدارة الذاتية
بعد خروج السلطات التابعة لنظام الأسد من مناطق شمال وشرق سوريا وإعلان الكرد والمكونات الاخرى الإدارة الذاتية في تلك المناطق أقر العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية نوروز عيداً رسمياً واعتبار 21 آذار عطلة رسمية.
وأصبح سكان شمال وشرق سوريا يحتفلون بكل حرية بالنوروز ، وبرعاية ودعم من الإدارة الذاتية للمنطقة.
