
الكاتب: علي عبد الله
قاد تحول الصراع بين قوى الثورة السورية والنظام إلى صراعٍ على سورية، في ضوء انخراط دول ومليشيات ومنظمات جهادية كثيرة فيه، إلى تحوّل المدنيين السوريين إلى “ورقة” لعب للقوى الإقليمية والدولية، حيث باتت هذه القوى تستخدمهم على وجهين، “ذريعة” للتحرك في المشهد السوري وتفاصيله الدقيقة، و”وسيلة” للضغط على الأعداء والخصوم الإقليميين والدوليين، وتسجيل نقاط سياسية وميدانية تخدم مصالحها الوطنية.
وقد تجسّد جديد هذه الاستخدامات في فتح السلطات التركية الطرق أمام الراغبين من اللاجئين السوريين في الهجرة إلى الدول الأوروبية، للضغط على هذه الدول في موضوعين: دفعها إلى التحرك ضد التنمر الروسي عليها، والمساهمة في كلفة توطين اللاجئين السوريين لديها على الأراضي السورية، عبر تشييد مساكن وبنية تحتية وخدمية هناك.
لم تكتف السلطات التركية بفتح الطرق وتسهيل حركة الراغبين بالهجرة، بل وحملت مئات السوريين المحتجزين لديها على خلفية عدم حصولهم على وثيقة إقامة مؤقتة (كيملك) في منطقة إسطنبول، وألقت بهم على الحدود التركية اليونانية، ومنعت من وصلوا من اللاجئين إلى الحدود اليونانية والبلغارية من العودة، بعدما منعهم حرس الحدود اليوناني والبلغاري من العبور إلى أراضي الدولتين.
بدأت مأساة المدنيين السوريين مع بداية ثورة الحرية والكرامة باستهداف أجهزة مخابرات النظام وشبّيحته لهم، منذ اللحظة الأولى لانطلاق التظاهرات الشعبية المنادية بالإصلاح في 18 مارس/ آذار 2011 بالضرب والإهانة والاعتقال التعسفي والقتل بدم بارد.
لم تكن روسيا بعيدةً عن هذه الممارسة الوحشية، القتل والتدمير والضغط من أجل الدفع نحو النزوح واللجوء، مع فارق في الأهداف، حيث سعت عبر دفع المدنيين السوريين إلى الهجرة واللجوء إلى دول أوروبية.
استخدمت روسيا ورقة المدنيين السوريين في سياق استراتيجيتها القائمة على دعم سيطرة الحكومة المركزية والأنظمة الاستبدادية في الدول التي تفتقر إلى سيادة القانون وإلى المؤسسات الديمقراطية، ويشيع فيها الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.
حتى الولايات المتحدة التي ابتعدت عن الانخراط المباشر في الصراع على سورية باعتماد سياسة “القيادة من الخلف” لم تتعفف عن توظيف ملف المدنيين لتحقيق مكاسب آنية وطويلة في سورية.
لقد تحوّل حلم المدنيين السوريين بدولة حق وعدالة وسيادة قانون إلى كابوس طويل، يحتاجون إلى جهد كبير للتخلص من تبعاته، والعودة إلى حياة إنسانية حرّة وكريمة.
