
الكاتب: غسان شربل
استولَى الهلعُ من فيروس «كورونا» على سكان «القرية الكونية» واحتلَّ الصدارة في اهتمامات زعمائها وحكوماتها. رجلان بَقِيَا خارج هذه المعادلة الجديدة. الأول فلاديمير بوتين، والثاني رجب طيب إردوغان. في مكتبيهما تقدَّمت نار المواجهات في إدلب على كل ما عداها.
تحولت الاحتكاكات الدموية بين الجيشين التركي والسوري إلى امتحان صعب لعلاقة الرئيسين التركي والروسي. امتحان للهيبة والصورة والقدرة على حماية المصالح.
مع «الربيع العربي» تغيَّرت الحسابات. فتح إردوغان الحدود أمام المقاتلين الجوَّالين للتسلل إلى الأراضي السورية، فهرعوا إليها من كل حدب وصوب.
تضاعفت حاجته إلى انتصار في سوريا بعدما أبعدَ الجيش المصري كأسَ «الإخوان» عن شفتي مصر وروحها. لم تنجح إيران وحدها في إنقاذ النظام السوري، وجاء التدخل العسكري الروسي في سبتمبر (أيلول) 2015 ليضع حداً للحلم الإردوغاني.
دفع جحيم إدلب نحو مليون سوري في اتجاه الحدود التركية. استمرار المعارك ينذر بدفع مليون آخر. وفي موازاة عملية الثأر على الأرض والتي أصابت أيضاً عناصر من «حزب الله» اللبناني، حرَّك إردوغان سلاح اللاجئين في وجه القارة الأوروبية، خصوصاً بعدما تبيَّن أنَّ التضامن الأطلسي محدود، وأن لا رغبة لدى إدارة دونالد ترمب بالوصول في الدعم إلى الشق العسكري المباشر.
انقضى زمن «تصفير المشاكل»، وهذا زمن «تصفير الصداقات». أسلوب إردوغان يكرسُه أستاذاً في سوء التفاهم. لا يتذكَّرُ الصداقات إلا حين تضربه الخيبات. وغالباً ما يكون تأخَّر. هذا حدث حين اتصل «السلطان» بترمب يشكو إليه طعنات «القيصر».
في الليل المبلَّل بدم الجنود يستغرب إردوغان أنْ يتغاضى العالم عن امتلاك إيران القرار «في 4 عواصم عربية» ولا يقر لتركيا بجزء من الكعكة السورية.
ثمة سيناريو آخر يؤرقه. يخشى أنْ يغادر ذات يوم قصر الرئاسة التركي، وأنْ يستمر قصر الرئاسة السوري مقيماً في ظل بشار الأسد.
تمرد الجانب التركي على اللعبة التي يديرها الجانب الروسي. أعادَ شيئاً من التدويل إلى الأزمة السورية. لكنَّ تبادل الرسائل المبللة بالدم لن يقودَ إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الجيشين التركي والروسي.
الطرفان محكومان بالتوصل إلى اتفاق جديد تريده أنقرة أوضح وأكثر إلزاماً. وأغلب الظن أنَّ تركيا تريد إقامة طويلة على الأرض السورية.
