لا ينعقد مفهوم الأمة في الفلسفة السياسية الحديثة بوصفه معطى بيولوجياً ناجزاً أو نتاجاً حتمياً لروابط العرق والدم والحدود الجغرافية بل يتأسس كتركيب حضاري واجتماعي معقد يتجلى في نمو “وعي جماعي مشترك” قادر على صهر الذوات الفردية في صيرورة تاريخية هادفة.
و من المنظور الأنثروبولوجي البنيوي تمثل الأمة “جماعة متخيّلة” تكتسب مشروعية وجودها واستمرارها من خلال الرموز والمخيال الثقافي والممارسات الطقوسية اليومية التي تشكل الهوية بحيث يتخيل أفرادها تضامناً أفقياً عابراً للمسافات والحدود السياسية المصطنعة.
وإذا كان الفضاء الوجداني والثقافي المشترك يؤكد من الناحية الأنثروبولوجية أن هذا الرابط الهوياتي لا يزال حياً وينبض في العقل الجمعي إلا أن المفارقة الصادمة تبرز عند إسقاط هذا المفهوم على أرض الواقع الجيوسياسي الراهن حيث تعيش الأمة العربية مأزقاً بنيوياً حاداً يتمثل في التناقض الصارخ بين فائض المقومات والمقدرات، وقحط الفاعلية السياسية والتكنولوجية المستقلة في التوازنات الدولية المعاصرة.
إن هذا العجز عن التموضع كفاعل استراتيجي في الساحة العالمية يعود بالأساس إلى خلل إبستمولوجي وفلسفي في بنيان “الدولة القُطرية” الحديثة، التي فشلت في توظيف الميراث الحضاري لتشييد دولة المؤسسات والمواطنة الصاهرة للمجتمع.
وبدلاً من تسييل الثروات الهائلة والموقع الجغرافي الحاكم لإنتاج “إرادة جماعية واعية” تفرض شروطها كقطب دولي انكفأت النظم السياسية نحو النزعات الضيقة وأعادت إنتاج آليات الطور الشعوبي ما قبل الدولة عبر تغذية الهويات الفرعية الطائفية والقبلية الأمر الذي حول الجغرافيا المشتركة إلى ساحة مستباحة للاختراقات الإقليمية والدولية، واختزل الفعل السياسي القومي في حدود “دبلوماسية رد الفعل” الباهتة أمام التحديات الوجودية والأزمات العاصفة بالمنطقة.
و يمتد هذا الاغتراب السياسي والوجودي بشكل أكثر خطورة إلى حقل الثورة الرقمية والتطورات التكنولوجية المتسارعة فالتحكم في المصير في العصر الراهن لم يعد مرتبطاً بالسيطرة الفيزيائية على الأرض والحدود فحسب بل بالقدرة على حيازة السيادة على الفضاء السيبراني والمعرفي.
وهنا تقع الأمة العربية في فخ “التبعية الرقمية الهيكلية” و بالرغم من تبني بعض الحواضر لمعدلات استهلاك قياسية في أدوات الذكاء الاصطناعي وبناء المدن الذكية إلا أن البنية التحتية الصلبة من رقاقات إلكترونية وخوارزميات سيادية ومراكز بيانات عملاقة تظل مستوردة وخاضعة لمنطق القوى الخارجية.
إن هذا الواقع يفرز شكلاً جديداً من أشكال “الاستعمار المعرفي والبياناتي” حيث يتم تخزين وتحليل البيانات الضخمة للمواطن العربي والتي تمثل القوة الحركية والاقتصادية للقرن الحادي والعشرين في خوادم وسحابات رقمية تابعة لشركات عالمية كبرى عابرة للقارات مما يتيح لتلك الخوارزميات الغربية والآسيوية إعادة صياغة الوعي والمخيال الجمعي بما يتوافق مع منظوماتها القيمية، ويحرم الأمة من الاستقلال الفكري والتكنولوجي.
ويتحمق هذا التشتت بفعل الفجوة الرقمية والتنموية البينية، حيث ينفصل رأس المال والتدفقات الاستثمارية في مكان عن الكثافة البشرية والعقول العلمية والمراكز الأكاديمية العريقة في أماكن أخرى تعاني من الهشاشة الاقتصادية مما يعطل إنتاج بيئة تكنولوجية متكاملة ومستقلة.
بناءً على هذا التشخيص الفلسفي والجيوسياسي فإن الانعتاق من حالة “الضياع الاستراتيجي” وضمان التحكم الفعلي في المصير والثروات يتطلب تبني استراتيجية براغماتية حادة تتجاوز الطروحات الرومانسية التقليدية للوحدة وترتكز على تحقيق “السيادة الرقمية” أولاً وذلك عبر الاستثمار في البنية التحتية السحابية القومية، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي نابعة من الخصوصية الثقافية واللغوية لحماية الأمن الفكري والبياناتي من الاختراق.
ويتكامل هذا المسار الحتمي مع صياغة شبكة مصالح اقتصادية بينية تعيد هندسة سلاسل الإمداد، وتدمج الرأسمال بالعقل والتربة لتحقيق التنمية المستقلة والأمن الوجودي (الغذائي والمائي والدوائي) بالتوازي مع تشكيل “تحالفات وظيفية مرنة ومصغرة” قادرة على بناء منظومات دفاع سيبراني وأمني مشترك لحماية الفضاء الحيوي والممرات الاستراتيجية.
إن الأمة العربية في الميزان الفلسفي والأنثروبولوجي ليست معدومة أو ميتة، بل هي “مشروع نهوض مُغيّب” يمتلك كافة البنى التحتية اللازمة لصناعة التغيير غير أن النجاة في عصر التكتلات الكبرى والذكاء الاصطناعي تفرض حقيقة حتمية واحدة وهي أن الأمن المنفرد للكيانات المجزأة هو محض وهم وأن صياغة التاريخ لا تكون إلا بفعل جماعي سيد ومستقل
الكاتب : صهيب المزريقي كاتب صحفي تونسي
