لا شكَّ في أنَّ أيَّ نزاعٍ أينما حلَّ أو حدث، لا يقتصر على جماعةٍ بعينها أو منطقةٍ دون سواها، وإنما يمتدُّ ويتشعَّب بحسب طبيعة ذلك النزاع وسببه، وما يترتَّب عليه من عواقبَ وأضرارٍ ومخاطر، وليست المناوشات والنزاعات التي تدور بين حزب الله اللبناني والحوثيين والفصائل التابعة لإيران من جهة، وإسرائيل وأمريكا وحلفائهما من جهة أخرى، ببعيدةٍ عن الحرب الدائرة بين إسرائيلَ وحركة حماس في قِطاع غزّة وإن تعدّدت المصالح وتباينت الأهداف.
فما إن اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس، حتى انقسم المجتمع الدولي بين طرفي الصراع، فمنهم من حمّل حركة حماس مسؤولية الحرب، معلناً تأييده الكامل لإسرائيل بعد هجوم الحركة المباغت على مستوطنات غلاف غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، ومنهم من حمّل إسرائيل مسؤولية ما حدث بأنه نتيجة لما نفّذته الأخيرة من ضغوطاتٍ وممارسات وحصارٍ وحرمان في القطاع الذي يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني.
ولم تقتصر الأطراف على التنديد وتحميل طرفي الصراع مسؤولية الحرب، فمنها من شاركهما الحرب عبر تقديم الدعم المباشر، ومنها من شارك عبر مناوشاتٍ متكرِّرة واستهدافاتٍ متفاوتة، كالحال بين حزب الله اللبناني وإسرائيل اللذين تبادلا القصف على طول الحدود بين البلدين، وكذلك الأمر بالنسبة للحوثيين الذين أعلنوا استهدافهم للسفن التجارية في البحر الأحمر احتجاجاً على الحرب على القطاع، وما نتج عن ذلك من عرقلة وتعطيل لخطوط الملاحة البحرية.
ولكن الأمر لم يقف ها هنا فقد ردَّتِ الولايات المتحدة باستهدافها مواقع للحوثيين في العاصمة اليمنية صنعاء وغيرها من المناطق، وكذلك الأمر مع الفصائل التابعة لإيران في كلٍّ من العراق وسوريا، فبعد استهداف الأخيرة القواعد الأمريكية في المنطقة سرعان ما توالت الردود والهجمات الأمريكية باستهداف قياديين بارزين ومواقع لتلك الفصائل.
ولا يغيب عن تلك النزعات والملفات الشائكة التي أثارتها حرب غزة، ملف التطبيع بين السعودية وإسرائيل الذي شهد فتوراً وتراجعاً من قبل الرياض التي اشترطت قيامَ دولةٍ فلسطينية على حدود عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وستين، إضافةً إلى وقف إطلاق النار في القطاع، قبل العودة إلى أي مفاوضاتٍ من هذا النوع.
ويرى مراقبون أن نزاعات حرب غزة وملفاتها الشائكة وحلحلتها مرتبطة بالتهدئة في القطاع وهو ما تتجّه إليه اليوم أنظار العالم عبر مفاوضات تدور بين الوسطاء وطرفي الصراع في عدة عواصم، بينما يشكِّك آخرون في مدى نجاعة وفعالية هذه التهدئة، إن حصلت، في تحقيق أي انفراجةٍ سواء على القطاع الذي بات يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو على النزاعات التي رُبِطَتْ بحرب القطاع، بينما تكمن وراء كل طرفٍ فيها مصلحةٌ خاصّة لا تعلوها أي مصلحة.
