يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للطاقة العالمية، الممر البحري الذي يربط أكبر حقول النفط في الخليج بالأسواق الدولية. عنده تتقاطع السياسة بالقوة، وتتجلى فيه هشاشة الأمن البحري أمام الصراعات الإقليمية، حيث يمكن لأي تهديد أن يهز استقرار الأسواق العالمية ويشعل أسعار الطاقة.
اليوم، يواجه العالم اختباراً جديداً لأهمية هذا الممر الحيوي، في ظل تصعيد عسكري أمريكي إسرائيلي وإجراءات انتقامية من قبل إيران، جعلت الملاحة البحرية الدولية في قلب أزمة حادة.
في أواخر شباط فبراير الماضي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية حادة تحت اسم “الغضب الملحمي”، أو كما اسمتها إسرائيل بـ “زئير الأسد”، استهدفت خلالها البنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية، إضافة إلى محاولة الإطاحة بالقيادة السياسية في إيران. ورغم أن العملية نجحت في تحقيق أهدافها التكتيكية الأولية بدقة، إلا أن الرد الإيراني جاء سريعاً وغير متكافئ، تمثل في فرض حصار كامل على مضيق هرمز.
المضيق تعرّض لعدة ضربات دقيقة، صممت لتعطيل حركة الملاحة عبر هذا الشريان البحري الحيوي. من أبرز هذه الضربات تدمير ناقلة النفط “سيفيسيا فيشنو” عبر هجوم صاروخي أدى إلى انفجار هائل، ما أثار حالة ذعر في الأسواق العالمية، ورفع أسعار النفط الخام بشكل حاد، مضاعفاً المخاوف من شح الإمدادات النفطية.
إضافة لذلك، نفذت إيران هجمات متكررة باستخدام زوارق سريعة مسلحة بصواريخ دقيقة وطائرات مسيرة لاستهداف السفن الحربية والتجارية، إلى جانب زرع الألغام البحرية لتعطيل عمليات الأمن البحري. هذا التصعيد جعل الممر الملاحي الأصغر في المضيق أكثر خطورة وتعقيداً للملاحة الدولية، مؤكداً أن الحصار لم يكن مجرد إجراء رمزي، بل خطوة استراتيجية تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة.
هذا الإغلاق أدى إلى توتر العلاقات بين إيران والدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يعتبرون المضيق مساراً لا غنى عنه لأمن الطاقة العالمي. وقد دفع هذا المجتمع الدولي، ومن خلال مجلس الأمن، إلى السعي لإيجاد حلول دبلوماسية عاجلة لتخفيف الأزمة، وسط تصاعد التوترات بين القوى الكبرى حول دور إيران في المنطقة ومستقبل أمن الخليج.
وما نشهده اليوم يعيد للأذهان تهديدات إيران خلال حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في حزيران / يونيو 2025، حيث لم تقتصر التهديدات على التصريحات فقط، بل ترافقت مع خطوات ميدانية، بما في ذلك إغلاق المضيق كوسيلة للضغط الاستراتيجي وإظهار القوة.
ويُعد هذا التحرك مصدر قلق دولي بالغ، نظراً لأهمية المضيق كممر أساسي لتصدير النفط، إذ يمكن لأي إغلاق أن يؤدي إلى شلل في الأسواق وارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مع تعزيز حالة التوتر وزيادة مخاطر الأمن البحري في الخليج.
يبقى مضيق هرمز هذا الشريان الحيوي للطاقة العالمية، في قلب عاصفة جيوسياسية تهدد الاستقرار الدولي، حيث يحدد توازن القوة بين الإجراءات الإيرانية والردود الدولية المستقبل المحتمل للتجارة والطاقة لعقود قادمة.
