أحداثٌ دامية مأساوية هزّت الضمير الإنساني، تاركةً وراءها سجلاً مثقلاً بالانتهاكات والفظائع، بحق المدنيين العُزَّل خلال فترةٍ وجيزة، والتحقت بالكم الهائل من ملفات العدالة الانتقالية، التي تبددت مساراتُها في سوريا، وسط ضجيج الأحداث التي شهدتها البلاد على مختلف السياقات.
في السابع من آذار/ مارس عامَ ألفين وخمسةٍ وعشرين وحتى التاسع منه، سُطّرت أحداثٌ دموية في تاريخ العلويين السوريين، وسط حالة تعتيمٍ إعلامي على التفاصيل وهويات الجُناة إلى اليوم؛ كانت ثلاثةَ أيامٍ من العنف المتصاعد، في مناطق الساحل وحمص وحماه وسط سوريا، بحق العوائل العلوية على يد عناصرَ تابعةٍ لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية السورية، وصفتها تقاريرُ أممية وحقوقية ووكالات الأنباء الدولية، بالمذابح الطائفية واسعة النطاق بحق المدنيين العلويين.
في السادس من مارس/ آذار، اندلعت اشتباكاتٌ بين مجموعاتٍ مسلحة في الساحل السوري، وعناصرَ تابعين لجيش الحكومة السورية الانتقالية، وعلى إثرها حرّكت الأخيرةُ فصائلَ مسلحة منضوية تحت راية وزارة الدفاع، لتقوم بما وصفته “عمليات استعادة النظام والسيطرة”.
ومن هنا بدأت المآسي والفظائع، حيث تعرضت مئاتُ العوائل من الطائفة العلوية في ريف الساحل، لبطش الفصائل وقمعها وفقاً لفيديوهاتٍ نشرتها تلك الفصائل على مواقع التواصل الاجتماعي، وصفها ناشطون بجرائمِ قتلٍ جماعي واستهدافٍ طائفي لمدنيين عُزَّل.
الانتهاكات والمجازر دفعت بأعدادٍ كبيرةٍ من العوائل العلوية، إلى العبور إلى الحدود اللبنانية.. أحد المتطوعين في فرق إنقاذ عوائل ريف الساحل، يتحدث صوتياً إلى قناة اليوم دون الكشف عن هويته، ليصف الأحداث منذ دخوله القرى المنكوبة..
صوت (1)/ صوت متطوع في فرق الإنقاذ المدنية
خلال ثلاثة أيامٍ فقط، اندلع فلتانٌ أمني وموجةُ انتقام، بعد أن خاضت الفصائل المسلحة التابعة للحكومة، أعمالَ قتلٍ واعتقالاتٍ واسعة طالت الأحياء السكنية، وغالبًا ما كانت الأمور تصبّ في إطار استهداف الطائفة العلوية، حيث أبلغت منظماتٌ حقوقية عن عمليات قتلٍ خارج القانون، وممارساتٍ طائفية طالت المدنيين العزل، بما في ذلك سؤالُ الناس عما إذا كانوا علويين قبل قتلهم.
بناءً على تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية ووكالات الأنباء الدولية، يمكن وصف ما جرى في الساحل، بأنه قتلٌ على أساسٍ طائفي واسع النطاق بحق المدنيين العلويين.
في 7 آذار/ مارس 2025 دخلت الفصائل المسلّحة التابعة لوزارة الدفاع، إلى أحياءٍ سكنيةٍ في مدنٍ مثل بانياس في محافظة طرطوس، وقامت بتنفيذ عمليات قتلٍ مباشرة لسكانٍ مدنيين عزل، بينهم نساءٌ وأطفال.
قناة اليوم تمكنت من أخذ شهادةِ سيدةٍ علوية، حصلت من أحد الجيران على فيديو توثيق دخولِ الفصائل إلى الحي الذي تعيش فيه ببانياس.
تقول السيدة إنها طلبت من زوجها الفرار أو الاختباء في مكانٍ ما، لكنه أبى .. وأخبر زوجته أنه ليست هناك دوافعُ لقتله، باعتباره يعمل في السلك المدني
ما خشيته السيدةُ حصل.. كانت قلقةً للغاية ولاحقاً حصلت على فيديو توثيقِ تصفية زوجها، على يد أحد عناصر الفصائل التي اقتحمت منزلهم، ويُظهِر الفيديو جدالاً يجري بين زوجها وعناصرَ من الفصائل تحت مبناهم السكني، ووثقت كاميرا الجيران كيف أجهزت العناصر بقلبٍ بارد على زوجها، وتركت جثتهً مرمية في الشارع لأنه ينحدر من الطائفة العلوية.
مقابلة شاهدة من بانياس (من 01:37 إلى 03:50)
هذه الصورة التي حجبنا وجهها تعود لزوجِ السيدة العلوية، وهو يرتدي عين الثياب التي قُتل بها، إذ يبدو في الصورةِ جالساً بأمانٍ مع زوجته، يعيش يوماً عاديًا وكانت زوجته قد التقطت هذه الصورة قُبيل الفاجعة.
في الثامن والتاسع من آذار/ مارس حشّدت الفصائل التابعة لوزارة الدفاع قوتها العسكرية أكثر في المناطق العلوية، حيث شهدت موجاتُ العنف بحق المدنيين تصاعداً كبيراً.
خلال هذين اليومين فقط، ارتكبت الفصائلُ العديد من جرائم القتل الخارجة عن القانون، كما حصل مع زوج السيدة العلوية في بانياس، وبنفس السيناريو كان يتم سؤال الناس حول ما إذا كانوا علويين أم لا، قبل قتلهم بالرصاص الحي في إعداماتٍ ميدانيةٍ أمام مرأى أسرهم.
قرب مدينة بانياس وحدها يدور الحديث عن قتل أكثرَ من 100 مدني علوّي خلال هذين اليومين، وتمكنت منظمة العفو الدولية من توثيق اثنتين وثلاثين حالةً منها.
تحدثت التقاريرُ الحقوقية عن عمليات تخريبٍ طالت المنازل، وعمليات نهب للممتلكات وجرائم حرقِ الأرزاق الزراعية عمداً، في القرى التي اقتحمتها الفصائل، إضافةً إلى تدوين عبارات تهديد ووعيد شهدتها كل القرى العلوية المنكوبة..
صوت (2)/ صوت متطوع في فرق الإنقاذ المدنية
وسط الصمت الدولي المطبق والتكتم الإعلامي، على المجازر التي شهدها الساحل السوري، كان النازحون من أهالي القرى المنكوبة يسألون النشطاء الميدانيين، عن احتمالية عودة الاستقرار إلى مناطقهم وإنهاء حالة العنف بحق العلويين، أحد هؤلاء النشطاء هو شاهدنا المتطوع في فرق الإنقاذ المدنية آنذاك.
صوت (3)/ صوت متطوع في فرق الإنقاذ المدنية
يصف المتطوع في شهادته لنا الوضعَ الإنساني في قرى الساحل المنكوبة بالمؤسف والمزري، ويؤكد أن قصصاً كثيراً علّمت في ذاكرته الوجدانية، ويصعُبُ عليه التخلُّص من أثرها النفسي الكبير.
صوت (4)/ صوت متطوع في فرق الإنقاذ المدنية
رغم الحالة الإنسانية الصعبة التي تعرض لها العلويون، إلا أن حجم المساعدات اقتصر على فرق المتطوعين المدنيين، وتبرعاتِ التكافل الشعبي الاجتماعي في المنطقة، فيما تنصّلت المنظماتُ الدولية الإنسانية من القيام بدورها، لتقديم يد العون إلى المدنيين بانسحابها من مناطق الساحل.
صوت (5)/ صوت متطوع في فرق الإنقاذ المدنية
المنظمات الحقوقية غير الحكومية لعبت دوراً في إيصال صوت الساحل إلى الدول الأوروبية والمنظمات الدولية، لتضغط على السلطة وتشكل لجنةَ تحقيقٍ شفافة، بعد انتشار كمٍّ هائلٍ من فيديوهات إجرامٍ مروعةٍ تم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي بحق المدنيين، خاصة وأن تقاريرَ غيرَ رسمية تحدثت عن وقوع مئات القتلى في صفوف المدنيين، خلال الأيام الأولى من اقتحام المناطق العلوية، لترصد فيما بعد ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد القتلى المدنيين، تخطت الآلاف في مناطقَ متفرقة.
نتيجة الضغط الدولي، أصدر رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، قرارًا بتشكيل ما أطلق عليها آنذاك “اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري”.
وعلى الرغم من أن القرار نص على منح اللجنة مدةً أقصاها ثلاثون يومًا من تاريخ تشكيلها، إلا أنه تم تمديد العمل لاحقاً إلى ثلاثة أشهرٍ إضافية، بغرض تمييع الحقائق وتهدئة الشارع، حسب محللين.
لكن حتى اليوم، النتائجُ الرسمية وواقع الأرض لا يظهران أنه تم احتواء الانتهاكات الانتقامية بالكامل، وهناك استمرارٌ بأشكالٍ أخرى من الانتهاكات والممارسات العقابية، بحسب مراقبين حقوقيين، أما نتائج تقريرِ اللجنة فلم تُسمِّ المُدانين بارتكاب المجازر، وأكدت فقط على وجود الانتهاكات، دون أن ترتبها في سياق الجرائم الممنهجة والقتل على الهوية ومحاولات التحريض الطائفي.
وعليه انتقدت منظماتٌ حقوقيةٌ مستقلة، أداء الحكومة السورية الانتقالية لتقصيرها في محاسبة كبار القادة، وتحديد المسؤولية القيادية في الانتهاكات.
وكالة رويترز سبقت تقريرَ لجنة التحقيق ببياناتها حول تحقيقٍ مستقلٍّ أجرته عن مجازر الساحل، حيث أكدت في تقريرها أن أكثرَ من أربعين موقعًا منفصلًا من الساحل، شهد عمليات قتلٍ ونهبٍ وحرقٍ خلال ثلاثة أيام فقط، كما وثّقت مقتلَ نحو ألفٍ وخمسمئة شخصٍ من المدنيين من الطائفة العلوية في تلك الأحداث.
تقرير رويترز أثبت تورُّط فصائلَ مسلحةٍ تابعةٍ للحكومة الانتقالية في هذه الانتهاكات والمجازر، وصُنفّت بعضُ الممارسات بجرائم حرب.
