ما كان للاحتلال التركي أن يغلّب يومًا مصلحة السوريين على مصلحته الخاصة، كما لم يكن ينبغي لأي سوريٍّ الوثوق به أو الاغترار بوعوده المُقنعة، فها هو اليوم يعقد الصفقات مجدداً، ويقيم البازارات على أراضٍ احتلها عنوة.
في الأيام الأخيرة، شهدت مناطق شمال وشمال غرب سوريا، تحركاتٍ وُصفت بالمُريبة، تجلّت بعقد الروس والأتراك اجتماعاً سرياً في مدينة تل أبيض المحتلة، شمال سوريا، في ظل مَخاوفَ من مقايضاتٍ جديدةٍ تعمّق معاناة السوريين، بالتوازي مع استقدام الجيش التركي تعزيزاتٍ عسكريةً في ريف إدلب، مقابل تعزيزاتٍ لقواتِ الحكومة السورية بدعمٍ روسي.
لا ينفكُّ الاحتلال التركي عن إثارة الفوضى في المناطق التي يحتلها بين الحين والآخر، بالإضافة إلى محاولات زعزعة استقرار المناطق الأخرى في كامل الشمال السوري، لأن ديمومة مصلحته الحقيقية، تفترض إثارةَ الاضطراب في المنطقة بشكلٍ مستمر، ومهما تراءَت بوادر أي اتفاقٍ بينه وبين الحكومة السورية، فإن عدم الثقة سيكون القاسم المشترك بينهما.
ونظراً لتعقيد المشهد في الشمال السوري، والتأثيرات الجيوسياسية المتباينة، فإنه لا يمكن التنبؤ بمدى حجم المخاوف التي تنتظر المنطقة، وسط تربُّصِ كلٍّ من الاحتلال التركي وقوات الحكومة السورية بها، في ظل صرف بوصلة الاهتمام العالمي نحو مناطقَ أخرى ساخنة، كالحرب في قطاع غزة وأوكرانيا.
وفي خضم هذا التصعيد، من المؤكد أن القلق يساور السوريين، حول تقدم أي طرفٍ أو تراجع أي طرفٍ عسكري ضمن خارطة السيطرة، لأن معنى ذلك أن هناك مخططاتٍ لا تُضمِر الخير للسوريين، الذين تعجُّ ذاكرتهم بتجاربَ سيئة، خاصةً حين اتفقت دمشق وأنقرة وموسكو وطهران على طاولةٍ واحدة، وخلف أبوابٍ مؤصدة، على تسليم مناطقَ جغرافيةٍ واسعةٍ في الشمال السوري للاحتلال التركي، بحسب ما يؤكد متابعون للشأن السوري.
