في حديثه الأخير لقناة “الشمس”، قدّم القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، تصوراً سياسياً واضحاً يمكن اعتباره بمثابة خارطة طريق للحل في سوريا. بعيداً عن الشعارات والخطاب التعبوي، اتسمت تصريحات عبدي بنبرةٍ براغماتية، تقوم على الاعتراف بالواقع الميداني والسياسي، ومحاولة ترجمته إلى مشروعٍ وطني قابل للتفاوض.
أولًا: اللامركزية كمدخل للحل
المطالبة باللامركزية ليست طرحاً جديداً، لكنها تكتسب أهميةً إضافية في السياق الحالي، خاصةً مع تعثّر المسار الدستوري وتفكك الهياكل المركزية في مناطق واسعة من البلاد. عبدي لم يطرح اللامركزية بوصفها مجرد صيغة إدارية، بل كإطار سياسي لضمان تمثيل حقيقي للمكونات المحلية، وعلى رأسها الكُرد والعرب في شمال شرق سوريا. هذا الطرح ينسجم مع تجارب الدول المتعددة قومياً وثقافياً التي لجأت إلى اللامركزية كحلٍّ لبناء استقرارٍ دائم.
ثانياً: من منطق التفاوض لا التمرد
تصريحات عبدي حول تشكيل وفد مشترك للتفاوض مع دمشق تعكس تحولاً في العقل السياسي لقسد، من قوة عسكرية في حالة شبه استقلال إداري، إلى فاعلٍ سياسي يسعى إلى التفاوض مع السلطة الانتقالية، وليس إسقاطها أو الانفصال عنها. هذه المقاربة تُفنّد الكثير من الاتهامات التي تُوجّه إلى “قسد” بأنها مشروعٌ انفصالي أو أداةٌ خارجية.
ثالثاً: قسد كجزء من الجيش الوطني؟
حديث عبدي عن إمكانية دمج “قسد” في الجيش السوري، ولكن “ضمن اتفاق سياسي شامل”، يُظهر استعداداً مبدئياً للدخول في ترتيبات سيادية، لكنه يضع شروطاً جوهرية تتعلق بالهوية، وحقوق المكونات، وضمان عدم تكرار تجارب القمع والإقصاء السابقة. هذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً للمخاطر التي قد تترتب على الذوبان غير المشروط في مركزية ما بعد الحرب، دون ضمانات واضحة.
رابعاً: رفض التنازلات المجانية
الموقف المتمسك بـ”المكتسبات” ينسجم مع منطق الفاعل السياسي الذي يرى نفسه شريكاً لا تابعاً. هنا، لا يتحدث عبدي من موقع المنتصر عسكرياً، بل من موقع المكوّن الذي قاتل ضد الإرهاب، وبنى مؤسسات حكم محلي، ويطالب الآن بضمان استمرارية هذا الدور ضمن إطار وطني شامل، لا أن يُختزل أو يُلغى.
خامساً: الكُرد كجزء لا يتجزأ من سوريا
ربما تكون من أهم الرسائل التي حملها الخطاب، هي التأكيد على أن الهوية الكردية ليست نقيضاً للهوية الوطنية السورية، بل أحد أعمدتها. في ظل حالة الانقسام الإثني والطائفي التي غذتها الحرب، يمثّل هذا التصور خطوة نحو إعادة تعريف الوطنية السورية على أساس التعدد والاعتراف المتبادل، لا الإلغاء والهيمنة.
ختاماً:
يحمل خطاب مظلوم عبدي في طياته ملامح تحول حقيقي في طبيعة الطرح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية. فالانتقال من منطق السيطرة العسكرية إلى منطق التفاوض الوطني المشروط بالاعتراف المتبادل، يعكس نضجاً سياسياً يفتح الباب أمام تسويةٍ سوريةٍ أكثر شمولاً، بعيداً عن منطق الحسم العسكري أو الإقصاء المتبادل. ما هو مطروح هنا ليس مشروع انفصال، بل مشروع شراكة -مشروطة بالكرامة والعدالة لبناء سوريا الجديدة على أنقاض ما دمّرته الحرب.
الكاتب: محمد الهويدي
