البحث عن الحقيقة في زمن التجاذبات
في قلب التحولات الكبرى التي تعصف بالجغرافيا السورية، وبينما تحاول البلاد لملمة جراحها تحت سلطة انتقالية، تبرز بين الحين والآخر تقارير إعلامية تثير من الغبار أكثر مما تجلي من الحقيقة. إن التقرير الأخير الذي نشرته صحيفة “واشنطن بوست” حول شبكة سرية لنقل السلاح من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى فصائل درزية في السويداء، يبدو في ظاهره كشفاً استخباراتياً مثيراً، لكنه في جوهره يفتقر إلى الركائز التي تقوم عليها الحقيقة الموثقة. فبين السرد الإنشائي والواقع الميداني، ثمة هوة سحيقة تملؤها علامات الاستفهام حول توقيت هذه “التسريبات” وأهدافها.
بنيان من رمال.. غياب الوثيقة وحضور “المجهول”
أول ما يصطدم به القارئ المتفحص لتقرير الصحيفة الأمريكية هو الاعتماد الكلي على “أشباح المصادر”. ففي قضية تمس السيادة الوطنية السورية وتتهم مكوناً أساسياً كالدرزي بالارتباط الخارجي، لا يمكن الركون إلى “مسؤولين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم”.
إن غياب الوثيقة الورقية، أو الصور الجوية للشحنات، أو الأرقام المتسلسلة للسلاح المزعوم، يحول التقرير من مادة استقصائية إلى مجرد “حكاية سياسية” تُساق لغرض في نفس يعقوب.
في عالم الاستخبارات والإعلام، يظل السلاح الذي لا يُرى والمال الذي لا يُرصد مجرد افتراضات لا تصمد أمام القضاء أو العقل المنطقي.
استحالة الجغرافيا.. كيف يعبر السلاح؟
بعيداً عن الأوراق، ثمة واقع جغرافي يكذب هذه الادعاءات، فالناظر إلى الخارطة السورية يدرك أن انتقال السلاح من مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وصولاً إلى السويداء في أقصى الجنوب يتطلب عبور مئات الكيلومترات من أراضٍ خاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية وفصائل عسكرية متنوعة.
هل يعقل أن تمر قوافل الأسلحة “الحساسة” والصواريخ “المضادة للدروع” عبر كل تلك الحواجز والعيون دون رصد؟
إن افتراض وجود ممر آمن وسري لهذا النوع من الإمداد اللوجستي ينم عن خيال واسع يتجاوز حدود الواقعية العسكرية على الأرض السورية المزدحمة بالرقابة.
السيادة والكرامة.. ردود الفعل المحلية
لم يكن الداخل في السويداء صامتاً أمام هذه الادعاءات، فالمكون الدرزي، الذي لطالما تمسك بحقوقه وخرج في مظاهرات ضد نظام الأسد تلبية لتطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة، يرى في هذه التقارير محاولة لـ “شيطنة” حراكه المطلبي. إن قادة المجموعات المحلية في السويداء يؤكدون في مجالسهم أن “سلاحهم هو كرامتهم”، وأنه سلاح محلي بامتياز، إما ورثوه أو استولوا عليه خلال الصراع مع قوات الحكومة الانتقالية والفصائل المسلحة من العشائر إبان هجومهم على السويداء وارتكابهم مجازر بحق المدنيين، أو تلقوه من أصدقاء قدموا لهم الدعم أثناء محاولة فصائل مسلحة محسوبة على الحكومة السورية السيطرة على المنطقة، وبالتالي لا حاجة لهم بوسطاء من الشمال الشرقي لتعزيز قوتهم.
التوقيت المشبوه.. من المستفيد؟
لا يمكن قراءة هذا التقرير بمعزل عن التوقيت، فبينما تحاول قوات سوريا الديمقراطية تمتين الجبهة الداخلية من خلال تنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار مع الحكومة الانتقالية في دمشق، يأتي الحديث عن “تسليح خارجي للأقليات” ليزرع بذور الشك والفتنة بين المكونات السورية.
إن المستفيد الوحيد من هذه الرواية هو الطرف التركي الذي يسعى لإضعاف تماسك الدولة السورية الجديدة عبر تصويرها ككيان مهدد بالانقسامات الطائفية والعرقية ما يشكل تهديداً على أمنها القومي، وهذا يعطيه الحق بحسب وجهة نظره من التدخل واحتلال المزيد من الأراضي السورية وفرض أجنداته على الحكومة السورية الفتية.
إن ما يثبت وجهة النظر هذه ما حدث في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مؤخراً من اشتباكات بين قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية وفصائل تابعة للحكومة السورية الانتقالية بعد زيارة وفد تركي إلى دمشق.
في الختام يبقى تقرير “واشنطن بوست” مجرد حلقة في سلسلة من الروايات التي تُبنى على أنصاف الحقائق أو الأكاذيب الكاملة لخدمة أجندات دولية.
إن الحقيقة في السويداء، كما في قامشلي ودمشق، تُكتب بأيدي السوريين الطامحين للاستقرار، وليس عبر تسريبات من غرف مظلمة لمسؤولين مجهولين يفتقرون للجرأة على إثبات ادعاءاتهم بوثيقة واحدة.
