شح في الإمدادات الغذائية والطبية والمحروقات.. انقطاعٌ شبه تام للكهرباء وغيرها من أشكال الطاقة.. تفشّ للأمراض الموسمية جراء البرد القارس في فصل الشتاء.. مشكلات وأزمات ومعاناة ليست في دولة منسية أو بلد فقير يشكو قلة الموارد، بل في إحدى المناطق السورية المنخرطة في صفقات ومقايضات الحرب، التي تشهدها البلاد منذ نحو اثني عشر عاماً.
والحديث هنا عن حيي الشيخ مقصود والأشرفية ومنطقة تل رفعت وقرى شمال حلب السورية، حيث يقطن عشرات آلاف المهجّرين من منطقة عفرين المحتلة، إحدى أكبر المناطق المحتلة من قبل تركيا منذ العام ألفين وثمانية عشر ، والتي تشهد عمليات تتريك وتغيير الديمغرافي وانتهاكات متواصلة من قبل أنقرة والفصائل الإرهابية التابعة لها.
فمنذ عدة سنوات يعاني السكان والمهجّرون في حيي الشيخ مقصود والأشرفية وريف حلب الشمالي، تداعيات حصار قديم جديد تفرضه الفرقة الرابعة، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، على المنطقة منذ سنوات، بغية أهداف سياسية وميدانية معينة.
حصار عمدت دمشق على تشديده بشكل مريب منذ أكثر من شهرين، ومنعت بموجبه إيصال أي من المواد الغذائية والطبية والمحروقات وغيرها من مستلزمات الحياة، تزامناً مع هجمات شبه يومية للاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له على المنطقة.
إجراءات أوصلت تلك المناطق في شمال حلب إلى أعتاب كارثة إنسانية بحسب إنذارات منظمات حقوقية.. كارثة ظهرت ملامحها الأولى مع فقدان طفلين لحياتهما مؤخراً جراء أمراض تسبب بها البرد القارس، في وقت تطلق المشافي نداءات استغاثة تنذر بنفاد الأدوية بمختلف أصنافها، وسط تحذيرات من تزايد حالات الوفاة بين الأطفال والمسنين.
مصادر طبية أشارت إلى ارتفاع أعداد الإصابة بالأمراض الموسمية بين الأطفال بمعدل مئة وخمسين طفلاً يومياً على الأقل، محملة الحكومة السورية المسؤولية بسبب التعنت في سياستها القائمة على الحصار، مناشدة المجتمع الدولي بالتحرك والضغط على دمشق لفك الحصار بشكل فوري.
من جانبها حذرت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من مخاطر تستهدف أكثر من خمسة وعشرين ألف طفل يحتمون مع عوائلهم في خمسة مخيمات ومنازل شبه مدمرة بمنطقة تل رفعت بريف حلب الشمالي.
مراقبون للشأن الدولي اعتبروا أنّ تحرك القوات الحكومية نحو تشديد حصارها في شمال حلب له علاقة وثيقة بعملية التطبيع التي تمضي قدماً بين كواليس الساسة في أنقرة ودمشق ومن خلفهم الروس والإيرانيون، وربما الولايات المتحدة التي لم تُبدِ موقفاً صارماً إزاء تلك العملية.
ولعل التهديدات التركية بشن هجوم عسكري بري على منطقة تل رفعت شمال حلب، خير دليل على أطماع أنقرة العلنية في مدينة حلب كاملة، ولكن ما مصلحة دمشق من حصار أبناء البلد.. هل هي دعم لأطماع النظام التركي في قضم المزيد من الأراضي، يتساءل السوريون؟
