إن مقياسَ حضارة الأمم على مرِّ التاريخ، يكمنُ في احترام المرأة وتقديرِ جهودها، فهي ركيزةُ الأسرة ونبضُ المجتمعات وروح الأوطان، ولكن ماذا عن نساءٍ يتعرضن للألم والخوف، ويصارعن حياةً مصبوغةً بألوان التعنيف، ويصمتن عن مآسٍ كثيرة، فالعنف ليس مجرد فعلٍ قاسٍ أو لحظة غضب، بل هو امتدادٌ لا ينتهي من الظلم، يبدأ بكلمةٍ جارحةٍ ويمتدُّ إلى إهانة، وقد يصل إلى ضربٍ أو حِرمان.
العنف ضد المرأة من أخطر الظواهر الاجتماعية، وجُرحٌ غائرٌ لا يُنسى، لذا يحتفل العالم في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام، باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، لتعزيز الوعي بأبعادِ وتداعياتِ هذه الظاهرة عالميًا، وتكثيف الجهود المبذولة لحماية النساء والفتيات من جميع أشكال العنف.
وعلى الرغم من أن العالم يحتفي بهذه المناسبة، إلا أن المنظمات الحقوقية تحذر بشأن خطورة أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمرارية، إذ تُظهر البياناتُ الحديثة أنّه رغم الوصولِ إلى عام ألفين وخمسةٍ وعشرين، ما يزال نحو ثمانمئةٍ وأربعين مليونَ امرأة، يتعرّضن للعنف من شريكٍ أو عنفٍّ جنسي خلال حياتهن، وتُشير التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، إلى أنّ هذا الرقم شبهُ ثابتٍ منذ عام ألفين، على الرغم من تعدّد المبادرات والجهود الدولية المبذولة، للحدِّ من هذه الظاهرة.
كما أكد التقرير أن العالمَ الرقمي بات يشكّل فضاءً محفوفًا بالمخاطر بالنسبة للنساء، إذ أوضح أن نصفهن يفتقرن إلى حمايةٍ قانونية فعّالة، من أشكال الإساءة الرقمية كما كشف أن نحو مليارٍ وثمانمئةِ مليونِ امرأةٍ وفتاة، أي ما يعادل أربعةً وأربعين في المئة من نساء العالم، لا تتوافر لهُنَّ أيُّ قوانينَ تردع التحرّش أو المطاردة الإلكترونية، الأمرُ الذي يعمّق الفجوة ويزيد من هشاشة أوضاعهن في الفضاء الرقمي.
وبالنظر إلى تداعيات العنف الخطيرة والعميقة ضد المرأة، بدءاً من الأسرة إلى المجتمع، لا بُدَّ من اتخاذ تدابيرَ عاجلةٍ ومتكاملة، وإحداث تغيير قانوني وثقافي، من خلال سَنِّ قوانينَ واضحةٍ تُجرِّمُ جميعَ أشكال العنف، وتعزز آليات تنفيذ القانون، إضافةً إلى ترسيخ قيم احترام المرأة، ورفض العنف بتنفيذ حملاتِ توعيةٍ مجتمعيةٍ شاملة، ناهيك عن التصدي للصور النمطية التمييزية عبر الإعلام والفنون.
