مما لا شكَّ فيه بأن تحركاتِ النظام التركي، نحو تحقيق المزيد من النفوذ السياسي، والمصالح والمخططات التوسعية في إقليم كردستان والعراق عموماً، كانت ولا تزالُ وراءَ سعيه المتواصل، في مقايضة الحكومة الاتحادية حول عدة مسائل، من بينها مشروعُ طريق التنمية والمكاسب الاقتصادية المرتبطة به، والتي أغرى من خلالها بغداد للحصول منها مؤخراً على تنازلاتٍ اعتبرها الكثيرون ضوءاً أخضرَ علنياً، لانتهاك سيادة العراق وشرعنةٍ لاحتلال الأرض.
النظام التركي لم يقتصر على سياسة الإغراء فحسب، بل اتخذ أيضاً من سياسة الضغطِ وسيلةً لإجبار حكومة بغداد، للدخول في مشروع طريق التنمية، لا سيما وأنه لا يزال يحبسُ حصةَ البلاد من الموارد المائية المخصصة لها، من نهرَي دجلةَ والفرات.
من جهةٍ أخرى، كشف محللون أن الخطوةَ الأشدَ خطورة، هي الضغط التركي على الحكومة العراقية، للتوقيع على ما تسميها “اتفاقيةً أمنية” أو “مذكرةَ تفاهم”، تمنح أنقرة حق تنفيذ هجماتٍ مسلحةٍ وقصفٍ جويٍّ على إقليم كردستان، مقابل تحقيق تقدم في مسألة المياه، التي ترتبط بدورها بمشروع طريق التنمية، وهي مساومةٌ لا لبسَ فيها، فإما أن توافق بغداد على مطالب أنقرة بفتح أبواب الحدود العراقية على مصراعيها أمام تركيا، أو عليها تحمُّل نتائج الرفض، من قبيل مواجهة العطش الخانق، ومنع نفطها من التصدير عبر تركيا، ويبدو أن الأخيرةَ نجحت حتى الآن، في ابتزاز العراق، وحصلت منه على جزءٍ كبيرٍ مما تريد.

وفي إطار ردود الفعل على المشروع، فقد وصفه سياسيون عراقيون بـ ” وصمةِ عارٍ في تاريخ ساسة العراق” متهمين الطبقةَ السياسية بالفساد، على اعتبار أن مشروعاً كهذا، لن يخدم البلاد، بل وربما يجعلها تخسر الكثير، سيما مع غياب الضمانات الدولية من جانب تركيا، والتي قد تعمل على إغلاق هذا الطريق في أي لحظةِ خلافٍ محتملة.
هذا ورجّح البعضُ أن فوائدَ مشروع “طريق التنمية” نحو القارة الأوروبية، ستكون محدودةً بالنسبة للعراق، على عكس دولٍ أخرى على رأسها تركيا وإيران وحتى سوريا، مع توقعاتٍ محتملةٍ بفشله، كغيره من المشاريع السابقة، وخاصةً أنّه برمته يتعارضُ مع سياسة بعض القوى والأحزاب العراقية، التي ترى أن هدف النظام التركي من ورائه، ليس إلا كسبَ فوائدَ اقتصاديةٍ تدريجية، والضغطَ المستمر على حكومة بغداد، لتحقيق المزيد من المآرب السياسية، مقابل وعودٍ لا نيةَ لأنقرة لتنفيذها، وهو ما أثبتته تجاربٌ سابقة.
ومنذ أواخر عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين، وبداية العام الجاري، كثّف الجانبان العراقي والتركي المباحثات المتعلقة بإنجاز مشروع طريق التنمية، الذي تقدّر تكلفته بنحو سبعة عشر مليارَ دولار، ويتضمن سككاً حديديةً وطرقاً بريةً بطول ألفٍ ومئتي كيلومتر، ومجموعةً من الموانئ التي تربط بين ميناء الفاو في مدينة البصرة العراقية جنوباً، ويمر من كربلاء وبغداد إلى الموصل شمالاً، ثم إلى داخل تركيا، ومن المفترض أن يتم تنفيذُهُ على ثلاث مراحل، تنتهي آخرها عام ألفين وخمسين.
