لم يكن يوم العشرين من كانون الثاني/ يناير عام ألفين واثنين وعشرين يوماً عادياً في شمال وشرق سوريا بشكلٍ خاص، وفي العالم قاطبةً بشكل عام، فما إن أرخى الليل سدوله في مدينة الحسكة في ذلك اليوم، حتى بدأ عناصر تنظيم داعش الإرهابي هجوماً على سجن الصناعة، الذي يضم آلاف الإرهابيين المحتجزين، بغية السيطرة عليه، وبدء هجومٍ منه على المدينة بأكملها.
” #مطرقة_الشعوب” في ذكراها السنوية الثانية .. الحملة التي لوت عنق الإرهاب#قناة_اليوم #ملف_خاص #شمال_وشرق_سوريا pic.twitter.com/Mwb4Z5JYaJ
— قناة اليوم (@alyaum_news) January 20, 2024

الهجوم الذي نفّذته الخلايا الإرهابية النائمة للتنظيم، بدأ بتفجير سيارةٍ مفخّخة قرب البوابة الرئيسية للسجن، تلاه هجومٌ من ثلاثة محاور، وأُدخلت سيارةٌ محملة بالأسلحة والذخائر إلى داخل السجن، وهو ما كان بمثابة إشارةٍ للمحتجزين بالداخل لبدء المخطط المتّفق عليه، والهجوم من الداخل على عناصر حامية السجن، واتخاذ بعضهم رهائن.
وعلى الفور، بدأت قوات سوريا الديمقراطية عبر خيرة مقاتليها وبمعاونة قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بمنع فرار العدد الأكبر من المحتجزين، ومحاصرة من هرب منهم في الأحياء المحيطة بالسجن وهي أحياء غويران والزهور والنشوة.
عامان على أحداث #سجن_الصناعة #شمال_وشرق_سوريا#الحسكة #غويران #قسد #قناة_اليوم pic.twitter.com/YDyeAmwYPT
— قناة اليوم (@alyaum_news) January 20, 2024
ومع خسارة عناصر التنظيم الإرهابي لعنصر المفاجأة، بدأ الإرهابيون المحاصرون من قبل قسد بالاستسلام تباعاً، وكانت آخر مجموعة مستسلمة منهم قد اتخذت من قبو السجن مكاناً لها، وتحصّنت داخله طيلة فترة الهجوم، لتستسلم في التاسع والعشرين من كانون الثاني/ يناير، وبهذا الاستسلام انتهى الهجوم فعلياً.
وبالتزامن مع محاصرة العناصر الإرهابية داخل السجن، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية حملة لملاحقة الإرهابيين الهاربين والمختبئين بالأحياء المجاورة للسجن في منازل المدنيين، الذين كان لهم الدور الكبير من خلال تعاونهم في إنجاز مهمة قوات مكافحة الإرهاب التابعة لقسد.

الهجوم الإرهابي الذي نفّذه عناصر تنظيم داعش، أسفر عن فقدان مئةٍ وواحدٍ وعشرين شخصاً لحياتهم، بينهم أربعة مدنيين وسبعةٌ وسبعون من الحراس والعاملين في السجن، وأربعون مقاتلاً من قسد.
بينما أدّت حملة مطرقة الشعوب، التي نفّذتها قسد لإعادة الأمور إلى نصابها، إلى مقتل ثلاثِمئةٍ وأربعةٍ وسبعين من عناصر التنظيم الإرهابي خلال عمليات تطهير السجن.
وشهدت أيام حملة مطرقة الشعوب قصصاً بطولية لمقاتلي قسد، منطلقين من واجبهم الأخلاقي أولاً، ومن قسمهم للدفاع عن المنطقة وشعوبها ثانياً، وشهدت كذلك استهداف مدنيين من قبل إرهابيي داعش الذين تحصّن بعضهم في الأبنية المجاورة لمبنى السجن، كما استهدفوا من مواقعهم تلك الفرق الإعلامية المحلية والعربية والعالمية الخاصة، التي أوفدت مراسليها لتغطية الحدث من أرضه.

وفيما بعد أكدت قوات سوريا الديمقراطية تورُّط النظام التركي بالهجوم، عبر قدوم عددٍ من العناصر الإرهابية التي نفَّذت الهجوم من المناطق المحتلة في سرى كانيه/ رأس العين وكرى سبي/ تل أبيض وعفرين، وتلقيهم الأوامر من قادتهم هناك، وشن الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي هجماتٍ على قرى وبلدات خطوط التماس، بالتزامن مع الهجوم على السجن لتشتيت مقاتلي قسد.

مخطط التنظيم الإرهابي كان يسعى لإطلاق سراح أكبر عددٍ ممكن من عناصره المحتجزين في السجن، ومن ثم السيطرة على السجن والأحياء الجنوبية من مدينة الحسكة، وفتح ممراتٍ نحو الحدود العراقية مروراً بمخيم الهول، وممرٍّ آخرَ يسعى للوصول إلى المناطق المحتلة في ريف تل تمر، وسري كانيه/ رأس العين.

الهجوم الذي لاقى مباركةً ضمنية من قبل ما تعرف بالمعارضة السورية المؤتمرة بأمر النظام التركي، إذ لم يصدر أيُّ بيانٍ يندِّد بالهجوم، بل على النقيض من ذلك، تغنّت وسائل إعلامٍ محسوبةٌ عليها بالهجوم، كما تبنّت روايةَ تنظيم داعش الإرهابي للحدث، والتحدث بمصطلحاته التي نشرها على معرفاته على شبكة الإنترنت.

كما كشف الهجوم الوجه الحقيقي للحكومة السورية التي سارعت على إشعال فتنةٍ بين قسد ومكونات المنطقة، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل مع الوعي الكبير لدى الأهالي بالمخطط الخطير، والهدف الذي كانت ترمي إليه أجهزة الأمن في الحكومة السورية ووسائل إعلامها ومن يدور في فلكها.

وسلّط الهجوم الضوء من جديد على مشكلة إرهابيي داعش المحتجزين لدى قسد، وما يشكّلونه من خطرٍ جسيم ليس على المنطقة فحسب، بل على العالم أجمع، في ظل عدم استجابة العديد من الدول لاستلام مواطنيها من عناصر التنظيم الإرهابي، وعدم دعمهم لبرامج توعوية تستهدفهم لإزالة الفكر المتطرف منهم، بالإضافة لعدم تبنّي المجتمع الدولي قراراً يسمح بإنشاء محكمةٍ خاصّة لمحاكمتهم في شمال وشرق سوريا.

كما وجَّهت قسد من خلال إفشال الهجوم، رسائلَ قوية للإرهابيين وداعميهم وكلِّ مَن شد على أيديهم، مفادها أنها على استعدادٍ لحماية المنطقة والعالم مجدداً من الإرهاب، كما حمته وما تزال إلى الآن، لا سيما مع التفاف سكّان المنطقة حولها، وظهر ذلك جلياً خلال أيام حملة مطرقة الشعوب، إذ كان الدعم الشعبي لمقاتلي قسد منقطع النظير، ومضربَ مثل، برد الجميل لقوات سوريا الديمقراطية، التي قدمت الغالي والنفيس للذود عن الأرض والعرض.
