الكاتبة : هيفيدار خالد المصدر : قناة اليوم
عاد الجدل من جديد، قبل أيام، في الأوساط السورية حول القرارات التي تتخذها الحكومة السورية المؤقتة نيابةً عن جميع السوريين، والمراسيم التي تصدرها، بدءاً من محتواها، مروراً بأهدافها غير الواضحة، وأسبابها غير المقنعة، التي تفتقر إلى الواقعية في معظم الأحيان، وصولاً إلى تداعياتها الكارثية على المجتمع السوري، وهويته، وتاريخه، وذاكرته الجمعية.
من المؤكد أن الجميع تابع المشاهد المصوَّرة التي بثّتها وسائل الإعلام وصفحات الإنترنت السورية، والتي تُظهر عناصر تابعة للحكومة السورية الانتقالية وهي تحطّم “تمثال الشهداء” الشهير في ساحة سعد الله الجابري وسط مدينة حلب شمال غرب سوريا. وقد أثار هذا الفعل جدلاً واسعاً وغضباً كبيراً بين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ انهار التمثال خلال “محاولة لنقله”، بحسب ما أعلنت السلطات المعنية، لكن معظم من تابع الحادثة عن كثب شكّكوا في رواية السلطات ونواياها، معتبرين أن “رواية النقل” لم تكن مُحكمة ولا مقنعة.
هذا المشهد أعاد إلى الأذهان ما حدث عام 2014 في مدينة الموصل العراقية، عندما اجتاح تنظيم “داعش” المدينة خلال ساعات، وأقدم على تحطيم التماثيل الأثرية والتاريخية التي تمثّل التاريخ الغني للعراق وشعوب الشرق الأوسط في متحف الموصل. إذ دمرت عناصر التنظيم، بوحشية، العديد من هذه التماثيل، ومن بينها “الثور الآشوري” الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد.
كما استحضرت واقعة تمثال الشهداء في ساحة سعد الله الجابري، السياسات الممنهجة للتغيير الديمغرافي التي تمارسها مرتزقة الدولة التركية في المناطق الكردية السورية المحتلة، وعلى وجه الخصوص في مدينة عفرين، من قطع للأشجار، وحرق للغابات، وتدمير للأماكن الدينية، وتخريب للمواقع التاريخية والأثرية، ونهب للرموز المقدسة، وذلك بهدف طمس هوية السكان الأصليين والقضاء على إرثهم الحضاري. وقد شهدنا مشاهد مشابهة في شنكال العراقية، إبان سيطرة تنظيم داعش، حيث أُحرقت ودُمّرت دور العبادة الخاصة بالإيزيديين، في محاولة لمحو قيمهم المادية والمعنوية.
كذلك أعاد مشهد تحطيم التمثال في حلب إلى الأذهان ما حدث قبل ٢٤ عاماً في أفغانستان، عندما دمرت حركة طالبان تماثيل بوذا في مدينة باميان، في أوائل عام 2001، وهو الحدث الذي صدم العالم وسلّط الضوء على عقلية الحركة المتطرفة، الفاشية، والإقصائية، التي تحكم البلاد بذهنيّة ظلامية تحاصر المجتمع الأفغاني بالقمع.
نعود إلى سوريا، حيث تتزايد الانتهاكات بحق السوريين، وتُتخذ قرارات تكرّس الإقصاء وتعقّد الحياة اليومية أكثر فأكثر. وفي هذا السياق، يجدر التوقّف عند الحفل الذي أُقيم في “قصر الشعب” بدمشق، والمسمّى بـ”حفل الكشف عن الهوية البصرية للجمهورية العربية السورية”. ويكفي القول إن المثل الشعبي الشامي “المكتوب مبين من عنوانه” ينطبق تماماً على هذه الخطوة التي قوبلت برفض واسع، حيث رأى كثير من السوريين فيها اعتداءً على هويتهم الوطنية وقيمهم الاجتماعية.
نعم، لا يمكن تحقيق تغيير حقيقي في البلاد، ما دام اسم الدولة هو “الجمهورية العربية السورية”، وما دامت ذهنية البعث تحكم وتُقصي. وما دامت المجازر مستمرة بحق العلويين والمسيحيين، والاعتقالات تطال الأكراد، والدروز يعيشون في خوف دائم بسبب ممارسات السلطة الجديدة. وما دامت هوية واحدة تُفرض على الجميع في انتهاك صارخ لحقوق المكوّنات السورية، فلن يكون هناك مستقبل مشرق لسوريا. فكل ما تقوم به السلطات الحالية، تحت أي مسمى، ليس إلا إعادة إنتاج لنظام البعث بأساليب فظة وصادمة، ولكن بروح النظام القديم نفسه من قتل، إلى ضرب، إلى اعتقال، إلى اختطاف.
يبدو أن “الهوية البصرية” أهم، في نظر السلطة، من بناء “الهوية السورية” ذاتها، وأهم من تأمين حياة كريمة للسوريين. فالشعب السوري اليوم بحاجة إلى عدالة، وحرية، وكرامة، بعد سنوات من الحرب والدمار والخذلان. سوريا بحاجة إلى عقل جمعي تشاركي قادر على تضميد الجراح التي تراكمت، وسط صمت رسمي عن مناشدات شعبها المتعب.
ولا يقتصر الأمر على تمثال أو حفل رمزي، بل يمتد إلى مئات الملفات التي تثقل كاهل السوريين، وتُنذر بمستقبل قاتم، نتيجة ذهنية ترفض الاعتراف بالتنوع، وتتدخل في أدق تفاصيل حياة الناس، وتحاول طمس هوياتهم الثقافية والدينية. وفي هذا السياق، اعتبر كثير من السوريين أن تمثال الشهداء كان رمزاً مهماً في ذاكرة المدينة، وما جرى يمثل محاولة لفرض رؤية مشوهة لسوريا الجديدة، تُبنى على أنقاض الرموز والذاكرة، وتحاكي أفكاراً متطرفة ومتشددة لا تختلف في جوهرها عن إرث البعث، وإن اختلفت في الشكل.
الشعب السوري اليوم بحاجة إلى السلم الأهلي، والتعايش، وحياة تليق بصموده، بعيداً عن الذهنية الإقصائية التي تحتكر الوطن والهوية بلون واحد وفكر واحد. سوريا ليست إمارة لأمراء الحرب، وليست أفغانستان أخرى تُدار بعقلية طالبان. سوريا يجب أن تكون لكل السوريين… الأحرار.
