رحل زياد رحباني تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً على جمهور عشق موسيقاه, وفكره, وتمرده, لكن واقع هذا الرحيل بدا أكثر وجعاً على السوريين الذين لم يروا فيه مجرد فنان, بل حليفاً إنسانياً وصوتاً آمن بقضيتهم منذ بداية المحنة.
لم يكن زياد ابن الأسطورة فيروز, مجرد موسيقي، بل كان شاعراً ساخراً, وملحناً ثورياً, ومفكراً ناقداً للسلطة والطائفية, والخذلان. أما في سوريا فقد كان “ابن البلد” كما وصفه كثيرون ..المقهى الدمشقي كان بيته, والمسرح السوري ساحة تجاربه, والجمهور السوري جمهوره الأوفى.
في واحدة من لقاءاته القديمة قال زياد رحباني بصراحة وود:
“اذا بدنا كورال حقيقي لفيروز لازم نجيبو من سوريا… لأن الصوت السوري فيه حرارة وجدية ما بتتكرر”
كثيرون اعتبروا هذه الجملة شهادة فنية من رجل لا يجامل وأيضاً موقفاً أخلاقياً يعكس علاقته العميقة بالشعب السوري.
مع إعلان خبر وفاته عجّت صفحات السوريين على مواقع التواصل بكلمات الرثاء, وصورٍ من أرشيفه, ومقاطعَ من مسرحياته الخالدة ” بالنسبة لبكرا شو” , ” نزل السرور”, ” فيلم أمريكي طويل” … وصارت هذه الأعمال إرثاً شخصياً لكل من تربّى على وقعها وسط الحرب والمأساة.
حُزن السوريين على زياد لم يكن فقط على فنان رحل، بل على رجل فهمهم, دافع عنهم, وشهد لهم بالحب والوفاء, في زمنٍ عّز فيه الأنصاف.
ربّما رحل زياد الجسد, لكن زياد الموقف, وزياد الجملة, وزياد الضحكة الساخرة التي تخنقها الدموع, سيبقى حياً في المقاهي, والبيوت, والقلوب… وخصوصاً في سوريا التي أحبها, وأحبته.
