شهدت العلاقات بين لبنان وسوريا خلال العقود الماضية تحولات عميقة اتسمت بالغموض والتوتر وتشابك المصالح. فبعد أن كانت هذه العلاقة تقوم على “الوصاية المباشرة” التي ميّزت الحقبة السابقة لعام 2005، انتقلت إلى مرحلة من التباعد الرسمي، وإن ظل النفوذ السوري حاضراً بشكل غير معلن في المشهد اللبناني.
ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011، انقسم الداخل اللبناني بين مؤيد للنظام السوري ومعارض له، ما عمّق الانقسام السياسي، وزاد من تعقيد العلاقات الثنائية، التي باتت مرتهنة لملفات حساسة وشائكة، مثل قضية اللاجئين السوريين، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وظاهرة التهريب عبر الحدود.
ومع احتدام النزاع في سوريا، تحوّل لبنان إلى ساحة ارتدادية للأزمة، متأثراً بالصراعات الإقليمية وبالاصطفافات الناتجة عن دخول “حزب الله” على خط المعارك إلى جانب النظام السوري. هذا الانخراط العسكري أسهم في توتير العلاقات الرسمية بين بيروت ودمشق، في وقتٍ واصل فيه النظام السوري النظر إلى لبنان كجزء من امتداد جيوسياسي ضمن محور إقليمي متماسك.
سقوط الأسد وإعادة التموضع السياسي في المنطقة
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 يناير/كانون الثاني، وتسلم رئيس الحكومة السورية الانتقالية أحمد الشرع الحكم في البلاد، بدأ الشرع بإعادة رسم خارطة التحالفات الإقليمية والدولية، في إطار رؤية جديدة تهدف إلى إعادة التموضع السياسي في المنطقة. وكان من أبرز التغييرات التي أجرتها الحكومة الجديدة، تقليص العلاقات مع إيران وروسيا اللتين شكلتا العمود الفقري لتحالفات النظام السابق، إلى جانب تطبيع تدريجي للعلاقات مع دول خليجية والنظام التركي، الذي سارع إلى معارضة نظام بشار الأسد ودعم التنظيمات المتشددة في سوريا.
العلاقات السورية اللبنانية.. فرصة جديدة أم عقبة قديمة؟
من أبرز الملفات الشائكة بين دمشق وبيروت، ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، والذي عاد إلى الواجهة مؤخراً.
فقد أعلن وزير العدل اللبناني، عادل نصار، عن مباحثات رسمية تُجرى حالياً مع الحكومة السورية الانتقالية بخصوص المعتقلين اللبنانيين، الذين تقول مصادر لبنانية إن مصير كثير منهم ما يزال مجهولاً منذ سنوات.
بالمقابل، ناقش وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، أوضاع المعتقلين السوريين في سجن رومية اللبناني. وتشير بيانات أمنية لبنانية، نقلتها صحيفة “النهار” اللبنانية، إلى أن عدد المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية يبلغ نحو 2351 شخصاً، ما يمثل نحو 30% من إجمالي نزلاء السجون في البلاد.
مشاورات رسمية واتجاه لإغلاق الملف
وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية، مظهر الويس، أكد وجود مشاورات متقدمة مع الجانب اللبناني، مشيراً إلى وجود “رغبة متبادلة” في تسوية الملف بما يخدم مصالح الشعبين. كما أشار الوزير اللبناني نصار إلى أن اجتماعاً مرتقباً سيُعقد في بيروت، بمشاركة الأطراف المعنية، بهدف الوصول إلى اتفاق رسمي ينظم تسليم وتسلم المعتقلين بين البلدين، ضمن إطار قانوني وإنساني واضح.
ملف معتقلي حزب الله.. العقدة الأصعب
رغم الإيجابية النسبية في الحديث عن المعتقلين، أكدت مصادر مطلعة أن الحكومة السورية الانتقالية تستبعد حالياً إدراج معتقلي حزب الله ضمن أي مفاوضات مع الجانب اللبناني. ويعود ذلك، وفقاً لمراقبين، إلى الدور الكبير الذي لعبه الحزب في دعم نظام الأسد خلال الحرب السورية، جنباً إلى جنب مع إيران، مما يجعله طرفاً “غير محايد” في نظر قيادة الحكومة السورية الجديدة.
ورغم أن الدولة اللبنانية تعتبر أي معتقل لبناني في سوريا من مسؤولياتها، إلا أن تعقيدات الملف السياسي المرتبط بحزب الله تجعل من الصعب طرح هذا الملف حالياً ضمن أجندة التفاهمات الثنائية.
تساؤلات حول مستقبل العلاقات
يبقى السؤال المطروح: هل يؤدي حل ملف المعتقلين إلى إعادة إحياء العلاقات بين البلدين؟ أم أن العقبات السياسية، مثل قضية حزب الله وترسيم الحدود، ستستمر في عرقلة التقدم نحو علاقة طبيعية؟
يرى مراقبون أن الحكومة السورية الانتقالية تسعى لإعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس جديدة تختلف كلياً عن المرحلة السابقة، وأن ملف المعتقلين قد يكون بوابة نحو تفاهمات أوسع، لكن بشرط فصل المسارات الأمنية عن التحالفات السياسية، وخاصة فيما يتعلق بدور حزب الله في الصراع السوري.
