في الواقعِ السوري الراهن الذي تتقاطع فيه هشاشة البنية الاجتماعية مع تعقيدات المرحلة الانتقالية، يثيرُ تصاعد الخطابات القائمة على الهوية، ولا سيما تلك التي تتخذ طابعاً طائفياً، مخاوف متزايدة من انزلاق الفضاء العام نحو أشكال من الإقصاء والتمييز الجماعي، حيث لا يعود الاختلاف السياسي أو الاجتماعي في حدود النقاش، بل يتحوّل إلى مبررٍ للعزل والمقاطعة وإعادة إنتاج الانقسام بين مكوّنات المجتمع، بما يهدّد أسس السلم الأهلي ويقوّض مبدأ المواطنة المتساوية الذي يفترض أن يشكّل حجرَ الزاوية في أيِّ مسارٍ نحو الاستقرار وإعادة البناء.
وفي هذا السياق، رصدت منصةُ رايتس مونيتور سوريا خلال الأيام الأخيرة تصاعد حملة إلكترونية تحملُ شعار “لست شجرة”، تضمّنت دعوات إلى المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية والعزل المجتمعي بحقّ مواطنين ينتمون إلى الطائفتين العلوية والدرزية في سوريا، من خلال الامتناعِ عن التعامل التجاري والاجتماعي معهم، ما أثار مخاوف حقوقية متزايدة من تنامي خطاب الكراهية والتمييز على أساس الانتماء الديني والطائفي.
وبحسب ما جرى تداوله على منصّات التواصل الاجتماعي، دعت الحملة إلى مقاطعة أفرادٍ ومؤسسات وشركات ومنتجات مرتبطة بأشخاص من المكوّن العلوي، كما نشرت قوائم بأسماء مؤسسات ومنتجات مستهدفة، إلى جانب دعوات للحد من العلاقات الاجتماعية والتعاملات اليومية مع أفراد من هذا المكون، تحت مبررات ربطت بين الانتماء الطائفي والمسؤولية عن انتهاكات أو جرائم منسوبة إلى أفراد أو جهاتٍ محددة.
المواد المتداولة أظهرت أن الحملة اعتمدت وسماً موحّداً وهوية بصرية متشابهة عبر عدد من الحسابات والصفحات على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، بما منحها طابعاً منظّماً يتجاوز حدود المنشورات الفردية المتفرقة.
الحملة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، إذ وصفها إعلاميون وحقوقيون بأنها تتضمن مضامين ذات طابع طائفي وتحريضي، وتنطوي على ممارسات تمييزية تستهدف جماعة دينية بعينها على أساس الانتماء والهوية، بما يتعارض مع مبادئ المساواة وعدم التمييز والمسؤولية الفردية.
من جهته، أصدر تحالفُ غرب سوريا بياناً، أعرب فيه عن إدانته لحملات التحريض والمقاطعة الموجّهة ضدّ العلويين في سوريا، داعياً الدول الديمقراطية إلى ممارسة ضغوطٍ على الحكومة السورية الانتقالية لاتخاذ إجراءات فعّالة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، وضمان حماية الأقليات الدينية والإثنية ومحاسبة المحرضين على التمييز.
وفي سياق متصل، شهدت مدينة حمص وقفةً تضامنية مع عائلة الدكتورة رانيا العباسي، رُفعت خلالها شعارات ذات مضامين طائفية وتضمنت دعوات إلى ما وصفه المشاركون بـ”المقاطعة المجتمعية” للطائفة العلوية، وفقاً لمقاطعَ مصوّرة ومنشورات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
