مع إعادة تفعيل الطريق الدولي M4 أمام حركة التجارة والنقل البري، تشهد الساحة السورية حَراكاً متزايداً لخطوط الترانزيت القادمة من تركيا والمتجهة نحو العراق ودول الخليج، في تطور يعيد إلى الواجهة الأهمية الجغرافية والاقتصادية التي تتمتع بها سوريا بوصفها حلقة وصل بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وتبرز منطقة الجزيرة السورية كإحدى أكثر المناطق أهمية في هذا المشهد، نظراً لموقعها الاستراتيجي الذي يربط المعابر الحدودية مع تركيا والعراق بشبكة الطرق الدولية داخل الأراضي السورية. وتضم المنطقة موارد زراعية ونفطية كبيرة، فضلاً عن كونها ممراً رئيسياً لحركة البضائع والشاحنات العابرة بين الدول المجاورة.
وفي الأشهر الأخيرة، شهدت بعض المعابر الحدودية نشاطاً متزايداً، من بينها معبر تل أبيض/ كري سبي، الذي ساهم فتحه أمام الحركة التجارية في تعزيز تدفق البضائع بين المناطق الشمالية وسوقي تركيا والعراق. في المقابل، ما يزال معبر قامشلي نصيبين الحدودي مغلقاً أمام الحركة التجارية الشاملة، الأمر الذي يحد من إمكانيات التبادل التجاري المباشر ويؤثر على حجم الاستفادة الاقتصادية الممكنة من شبكة النقل الإقليمية.
ويرى مراقبون أن ازدياد حركة الترانزيت عبر الأراضي السورية يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي من خلال تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وتوفير فرص عمل مرتبطة بالشحن والتخزين والتخليص الجمركي، إضافة إلى رفد الأسواق المحلية بحركة اقتصادية أوسع. كما أن عودة سوريا إلى خارطة التجارة البرية الإقليمية قد تسهم في استعادة جزء من دورها الاقتصادي الذي تراجع خلال سنوات الصراع.
إلا أن هذه التطورات تثير في الوقت ذاته تساؤلات حول الجهة الأكثر استفادة من إعادة تنشيط هذه المسارات التجارية. فبينما يأمل السوريون أن تتحول حركة العبور إلى مصدر دخل وفرص تنموية للمناطق التي تمر بها الشاحنات والبضائع، يرى بعض الخبراء أن الجزء الأكبر من المكاسب قد يذهب إلى الشركات التركية وشبكات التصدير المرتبطة بالاقتصاد التركي، خاصة مع اعتماد جزء مهم من حركة التجارة الحالية على البضائع القادمة من تركيا والمتجهة نحو الأسواق العراقية والخليجية.
وبين الرهانات الاقتصادية والمصالح الإقليمية، تبدو سوريا اليوم أمام فرصة لاستعادة موقعها كممر تجاري حيوي في المنطقة. غير أن حجم الفائدة التي ستنعكس على السوريين سيبقى مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على تحويل حركة الترانزيت من مجرد عبور للبضائع إلى رافعة اقتصادية حقيقية تسهم في دعم الإنتاج المحلي وتحريك عجلة التنمية في المناطق التي تشكل قلب هذه المسارات التجارية.
