في ذاكرة الشعوب، هناك أيام لا تُنسى مهما مرّ الزمن. أيام تتحول إلى جرحٍ مفتوح في التاريخ، يظل ينزف في ذاكرة الأجيال جيلاً بعد جيل. ومن بين تلك الأيام، يبرز السادس عشر من مارس عام 1988، اليوم الذي شهدت فيه مدينة حلبجة واحدة من أبشع الجرائم بحق الإنسانية في العصر الحديث.
في إقليم كردستان، عند سفوح الجبال القريبة من الحدود مع إيران، تقف مدينة صغيرة اسمها حلبجة. مدينة هادئة كانت قبل عقود مجرد بقعة خضراء تعيش فيها العائلات بسلام، حيث يخرج الأطفال إلى المدارس في الصباح، وتفوح رائحة الخبز من البيوت الطينية، ويعود المزارعون مع غروب الشمس إلى عائلاتهم.
كانت حلبجة مدينة هادئة بين الجبال، مدينة بسيطة يعيش أهلها حياة متواضعة، بين الحقول والمدارس والأسواق الصغيرة. لم يكن سكانها يتخيلون أن صباح ذلك اليوم سيحوّل مدينتهم إلى عنوانٍ للمأساة في تاريخ البشرية.
ما حدث في حلبجة لم يكن مجرد عملية عسكرية… بل كارثة إنسانية مكتملة الأركان، ففي يومٍ واحد فقط، تحولت تلك المدينة إلى شاهدٍ على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث… جريمة ما زالت رائحتها في ذاكرة الناجين حتى اليوم.
في السادس عشر من مارس عام 1988، وبينما كانت المنطقة تعيش فصولها الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية، استيقظ سكان حلبجة على أصوات القصف. لم يكن القصف في البداية مختلفاً عن غيره من أيام الحرب التي اعتاد الناس سماع أصدائها في الأفق. لكن ما حدث لاحقاً لم يكن مجرد معركة… بل كارثة إنسانية ستغير مصير آلاف العائلات إلى الأبد.
في تلك اللحظات، كانت القوات العراقية التابعة للنظام السابق بقيادة صدام حسين تنفذ عمليات عسكرية ضمن ما عُرف لاحقاً باسم حملة الأنفال، وهي حملة استهدفت مناطق كردية واسعة شمال العراق.
لكن ما حدث في حلبجة كان مختلفاً… كان أكثر قسوة، وأكثر فظاعة.
لحظة الموت الصامت
في ذلك الصباح، بدأت الطائرات تقصف المدينة بقنابل غير مألوفة. لم يكن هناك انفجار هائل، ولا صوت مدوٍ كما اعتاد الناس في القصف التقليدي. بدلاً من ذلك، انتشرت سحب غريبة فوق الأزقة والبيوت. سحب صفراء وخضراء، ذات رائحة حادة تشبه التفاح الفاسد أو الثوم.
لم يدرك السكان في البداية أنهم يواجهون الغازات الكيميائية.
خلال دقائق فقط، بدأ الناس يشعرون بحرقة في أعينهم، ثم ضيق في التنفس. الأطفال سقطوا أولاً، ثم النساء، ثم كبار السن. حاول البعض الهرب، لكن الهواء نفسه كان قاتلاً.
في الأزقة الضيقة، تراكمت الجثث فوق بعضها. عائلات كاملة ماتت وهي متشابكة الأيدي، وكأنها حاولت حماية بعضها البعض في اللحظات الأخيرة.
خلال ساعات قليلة فقط، قُتل نحو خمسة آلاف مدني، وأصيب آلاف آخرون بإصابات دائمة.
كان ذلك اليوم بداية مأساة إنسانية لا تزال آثارها مستمرة حتى الآن.
مدينة تحولت إلى مقبرة
عندما دخل الصحفيون والمصورون إلى المدينة بعد أيام، كانت المشاهد صادمة إلى درجة أن كثيرين لم يستطيعوا وصفها بالكلمات.
رجل ميت ما زال ممسكاً بطفله.
امرأة سقطت أمام باب منزلها.
عائلات كاملة ماتت في الأقبية التي لجأت إليها هرباً من القصف.
كانت مجزرة حلبجة واحدة من أكبر الهجمات الكيميائية التي استهدفت مدنيين في التاريخ الحديث.
لكن المأساة لم تتوقف عند لحظة الهجوم.
حياة بعد الموت
الناجون من المجزرة لم ينجوا بالكامل. كثير منهم عاشوا سنوات طويلة وهم يعانون من أمراض مزمنة: مشاكل في التنفس، سرطانات مختلفة، تشوهات خلقية لدى الأطفال الذين وُلدوا لاحقاً.
بالنسبة لكثير من سكان حلبجة، لم تكن المجزرة مجرد ذكرى مؤلمة… بل جرح يومي يعيش معهم في تفاصيل حياتهم.
في البيوت، توجد صور معلقة لأحباء لم يعودوا. وفي المقابر، صفوف طويلة من الشواهد التي تحمل تواريخ متقاربة… كلها تشير إلى يوم واحد فقط.
لماذا حدثت المجزرة؟
يعود السياق التاريخي للمجزرة إلى التوترات العسكرية والسياسية في شمال العراق خلال سنوات الحرب مع إيران. في تلك الفترة، كانت مناطق كردية تشهد مواجهات بين القوات العراقية وقوات كردية.
ومع تصاعد تلك المواجهات، بدأت الحكومة العراقية حملة عسكرية واسعة ضد القرى الكردية ضمن حملة الأنفال، التي تضمنت عمليات تهجير وقصف وتدمير قرى.
وفي هذا السياق، جاءت الضربة الكيميائية التي استهدفت مدينة حلبجة بعد سيطرة قوات كردية على المدينة لفترة قصيرة.
لكن الضحايا الحقيقيين لم يكونوا المقاتلين… بل المدنيين، النساء، والأطفال، والعائلات التي لم يكن لها أي دور في الحرب.
علي الكيماوي
في تلك المرحلة، كان أحد أبرز المسؤولين العسكريين في العراق هو علي حسن المجيد، ابن عم الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين.
كان المجيد يشرف على العمليات العسكرية في المناطق الكردية ضمن ما عُرف باسم حملة الأنفال، وهي حملة عسكرية واسعة استهدفت قرى ومناطق كردية عديدة.
في تلك الحملة، اكتسب علي حسن المجيد لقباً بقي مرتبطاً باسمه إلى الأبد “علي الكيماوي”.
ذلك اللقب لم يكن مجرد وصف سياسي أو إعلامي، بل كان انعكاساً لسياسة عسكرية قاسية استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية ضد مناطق مدنية.
صدمة العالم
عندما بدأت الصور تتسرب إلى وسائل الإعلام الدولية، أصيب العالم بصدمة.
صور الأطفال الذين ماتوا في الشوارع، وصور العائلات التي تجمدت في لحظة موت صامت، أصبحت رمزاً لفاجعة إنسانية هزت الضمير العالمي.
أدانت منظمات حقوق الإنسان الهجوم، واعتُبر لاحقاً جريمة حرب واستخداماً محرماً للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، لكن على مستوى الحكومات، لم يكن الموقف بالحزم الذي توقعه كثيرون، أما في العالم العربي، فقد كان الصمت أكثر وضوحاً.
في تلك الفترة، كانت دول كثيرة تنظر إلى العراق باعتباره خط الدفاع الأول ضد إيران بعد الثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فضلت بعض الحكومات تجنب توجيه اتهامات مباشرة لبغداد.
الكثير من البيانات الرسمية جاءت حذرة، وبعضها اكتفى بالدعوة إلى التحقيق دون تحميل المسؤولية بشكل واضح. أما بالنسبة للضحايا وذويهم، كان ذلك الصمت جرحاً آخر يضاف إلى جراحهم.
العدالة المتأخرة
بعد سنوات طويلة، وبعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، بدأت محاكمات بعض المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال تلك الفترة.
وكان من بين أبرز المتهمين علي حسن المجيد، الذي حوكم لاحقاً بسبب دوره في حملة الأنفال والهجمات الكيميائية.
لكن بالنسبة لأهالي حلبجة، لم تكن المحاكمات كافية لإغلاق صفحة الألم، فالمدن يمكن إعادة بنائها، لكن العائلات التي فقدت أبناءها لا يمكن تعويضها.
ذاكرة لا تموت
اليوم، بعد عقود من تلك المأساة، ما تزال حلبجة تحمل آثار ذلك اليوم.
في شوارع المدينة، توجد نصب تذكارية لضحايا المجزرة.
وفي المدارس، يتعلم الأطفال قصة مدينتهم حتى لا تُنسى.
كل عام، في السادس عشر من مارس، تتجمع العائلات لإحياء ذكرى الضحايا. يضعون الزهور على القبور، ويقرأون أسماء من رحلوا.
أسماء كثيرة… لكنها تعني بالنسبة لكل عائلة عالماً كاملاً فقدته.
مجزرة حلبجة لم تكن مجرد حدث في كتاب التاريخ.
إنها قصة مدينة اختنقت… وقصة شعب ما زال يحمل ذاكرة الألم.
