لم تخرج جولة المفاوضات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل عن الدائرة التي سبق أن رسمناها للغاية منها، فمن ترك مجالاً لقياس مسافة توجيه ضربة أمريكية لإيران، وهي تغرق في غياهب انشغالها بجبهة لبنان وغيرها، إلى إدراك ترامب أنّ نتنياهو غير قادر على حسم معركته مع حزب اللّه، لا سيّما مع ضَعفه الداخلي أمام الخصوم. لهذا، فالاعتماد عليه بات مجازفةً بالنسبة لترامب، قد يفكّر معها ترامب بالتخلّي عن نتنياهو، أو إهمال شأنه ولو مؤقتاً.
لا شك أنّ ما انتهت إليه المفاوضات، وهو ذاته ما انطلقت منه، عزّز امتلاك حزب الله ذريعة اتهاماته الموجّهة إلى السلطات اللبنانية، بعد أنْ تحوّلت أجهزة الدولة حُكماً إلى مفارز تنفيذ مهمة أمريكية، ومنتسبوها عناصر تحكمهم القيادة الأمريكيّة لهذه المهمّة، انتبهوا، فإننا نقول: أمريكية لا إسرائيلية، لقد تمكّنت الولايات المتحدة أنْ تسيطر على الملّف اللبناني الداخلي، من خلال المسار السياسي الذي أمدّها بدوره بسلطة تحويل إسرائيل من طرف تصارع إلى مراقب على عناصر الإقتتال الداخلي استناداً للمسار العسكري.
عوضاً عن إرسال جنود أمريكيين، ومغامرة في السياسة والتكاليف، استولت الولايات المتّحدة على مساحة تشويش ضدّ إيران، يتولّى تنفيذ متطلّباتها عسكريّو لبنان وسياسيّوها، مع التحفظ، بما يضمن تحويل جهة التقصير أمام المجتمع الدّوْلي من حزب الله إلى الدولة اللبنانيّة، ممّا يعني توفير غطاء أمميّ لأي تدخّل عسكريّ، ربّما يفوّض مجلس السلام الذي يرأسه ترامب، ويسعى من خلاله إلى تثبيت سطوة تمتدّ بعد نهاية ولايته.
تُركت السلطة، بمعنى مراكز الدولة بهذا ضعيفةٌ أمام حزب الله، وغيرِه من تيّارات الساحة اللبنانية، ممّا سيولّد بالضرورة إزاحةً في فكرة العلاقات مع سوريا، مدخلها: ارتفاع مستوى التقارب السعودي القطري، بحكم التقاء سوريا مع الطرفين، بما يشكّل جبهة جديدة تنعكس بإزاحة كل التكتّل اللبناني كوحدة واحدة، من موقع حرب مع إسرائيل إلى موقع الصراع على تحديد جهة التحالف. حالة كتلك تنعكس بدورها على تعميق التمزّق الداخلي، وهو المطلوب أمريكيّاً واسرائيليّاً، ليس فقط من أجل لبنان، بل من أجل أقطاب السياسة الشرق الأوسطيّة الجديدة.
هذه النواتج العسكريّة والسياسيّة المنقادة لسطوة الولايات المتّحدة لا تروق لإسرائيل نتنياهو، ستعمل على العبث بها، يشكّل نموذج رفع وتيرة التصعيد أحد الأشكال الكلاسيكيّة لردّة الفعل هذه، لكنّ الجديدَ فيها يقوم على امتلاك اسرائيل، من خلال تنسيقها مع الولايات المتحدّة، من تحديد المهام الموكلة إلى السلطات اللبنانيّة، بما يعني مراقبة تخلّف هذه الأخيرة عن إنجازها، أيْ بلغةٍ جديدة ضبط التفلّت الرسميّ الذي طالما اتّخذ من ذريعة عدم توافر المعلومات والمراوغة بغية تجنّب صِدامٍ داخلي، ولكم في تصريحات توم براك قبل أشهر مثالاً، حين قال عن السياسيّين الذين ينوون سحب سلاح حزب الله إنّهم ” يكذبون “.
أما بالنسبة الى بروفات قياس اتفاق 17 أيار 1983 على مفاوضات اليوم، فإنّنا نكتفي بغاية الاختصار الذي يلي تفصيله أنّ القوى التي عارضت اتفاقا كهذا في السابق، تقف اليوم في ملعب المواقف التي تمنحها، وَفقاً لظنّها أنّ حريّة الحركة باتجاه تمركز القوّة وسْطَ تأرجحِ ضرباتِها.
المصدر : قناة اليوم الكاتب : د. راشد الشاشاني

