مخطئ من يعتقد أن المواقف في السياسة هي وليدة اللحظة، لأنها على النقيض من ذلك تماماً، فهي نتيجة تراكمات وأحداث متتالية تفرض على البعض اتخاذ قرارات، أو المضي قدماً في اتجاهات ما كانت في الحسبان.
ربما ينطبق ما سبق على تونس، التي ومنذ قرابة عام تعيش واقعاً استثنائياً على وقع إجراءات الرئيس التونسي قيس سيعد الاستثنائية التي أقرها في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو العام الماضي، والتي جمّد فيها عملَ مجلس النواب، وأقال رئيس الوزراء حينها هشام المشيشي.
كما قلنا في البداية، هذا هو الموقف، لكن ما سبق موقف سعيّد هذا، بحسب مراقبين كاد أن يودي بالبلاد إلى الهاوية، فالخلافاتُ بين الأحزاب تحت قبة البرلمان قائمةٌ على قدم وساق، كما أن أنصارها نقلوا ضجيج القيادات إلى الشارع، فتعثرتِ البلادُ بأزمة سياسية، مصحوبة بفساد في مؤسسات الدولة برعاية مسؤولين فيها.
النزاع المتوتر بين رئيس الدولة قيس سعيد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإخوانية، ومحاولة كل منهما استمالة رئيس الحكومة لصفه، خلق جواً سياسياً مشحوناً ومشوباً بعدم الثقة.
كل ذلك أدى إلى نقطة البداية في تاريخ تونس الحديث، الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 2021، ليعلن سعيد بعد اجتماعه مع مسؤولين عسكريين وأمنيين جملة من الإجراءات وصفها بالاستثنائية، أعلن من خلالها توليه مهام السلطة التنفيذية، مستنداً في ذلك إلى الفصل الثمانين من الدستور، لإنقاذ البلاد من خطر داهم.
خطوة قابلتها الأحزاب المتضررة وعلى رأسها حركة النهضة وحلفاؤها في كتلتها البرلمانية بتنديد منقطع النظير، واصفة إياها بانقلاب سعيد على السلطة واستئثاره بها، بالمقابل اعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل الواسع النفوذ في البلاد أن قرارات سعيد جاءت استجابة للمطالب الشعبية ووفقاً للدستور.
الثاني والعشرين من أيلول/ سبتمبر يتجاهل الرئيس التونسي كافة الدعوات الأممية والدولية للجوء إلى الحوار، ويوسع صلاحياته على حساب الحكومة والبرلمان، وذلك بإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وتعليق العمل بمعظم مواد الدستور، وتوليه مهمة إعداد تعديلات متعلقة بإصلاحات سياسية عبر لجنة يشكلها، وفسر مراقبون قرار سعيد هذا بسعيه إلى إلغاء كل أشكال الرقابة عليه، لتحصين مراسيمه من رقابة أي جهة كانت.
ومع انقسام الشارع بين معارض ومؤيد لقرارات سعيد، استمر الأخير في العزف منفرداً على أوتار السياسة التونسية، ليعلن في كانون الأول/ ديسمبر الفائت عن تنظيم استفتاء وطني حول إصلاحات دستورية في 25 تموز/ يوليو 2022، بعد حديثه بأيام مع خبراء بالقانون الدستوري بأنه لا يمكن العمل بدستور 2014 في السنوات المقبلة، لأنه لا شرعية له على حد تعبيره.
وفي شباط/ فبراير الماضي حل سعيد المجلس الأعلى للقضاء، قبل أن يوقع مرسوماً يؤسس من خلاله “المجلس الأعلى المؤقت للقضاء”، وخول نفسه صلاحية طلب إعفاء كل قاض يخل بواجباته المهنية، كما منع القضاة من الإضراب عن العمل.
تسارعت الوقائع في البلاد، حتى أعلن الرئيس التونسي حل مجلس النواب في الثلاثين من آذار/ مارس عقب تحدي نواب البرلمان قرار التعليق القائم وعقدهم جلسة عبر تقنية الفيديو صوتوا خلالها على إلغاء الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيد.
وبعد مضي أكثر من عام على الإجراءات الاستثنائية، ورغم نسبة المشاركة القليلة في الاستفتاء على مشروع الدستور والتي قاربت الثلاثين في المئة، إلا أن موافقة أكثر من تسعين بالمئة منهم على المشروع اعتبرها سعيد بمثابة إعلان على موافقة الشعب التونسي على بناء ما أسماها الجمهورية الجديدة، ليؤكد أن الخطوة المقبلة هي صياغة قانون انتخابي جديد لمجلس النواب.
الأحزاب والكيانات السياسية المتضررة أعلنت رفضها للاستفتاء ولنتائجه، فهل يمضي سعيد قدماً بما خطط له لإنقاذ البلاد على طريقته، أم أنه سيفتح أبواب الحوار على مصراعيه لكافة الأطراف لإنقاذ البلاد بطريقة متفق عليها.
وإلى حينها يبقى التونسيون أبرز الخاسرين من الأزمة السياسية في البلاد، التي تلتها أزمة اقتصادية دفعت الدولة نحو صندوق النقد الدولي للاقتراض، وسط اعتراض الاتحاد العام التونسي للشغل، لأن أي اتفاق مع صندوق النقد سيفرض حتماً إجراءات اقتصادية صارمة من قبل الحكومة.
