إن فرادة الحدث السوري تكمن في كونه ليس مجرد أزمة دولة بقدر ما هو انفجار جيوسياسي وهوياتي حدث في قلب العقدة المركزية للشرق الأوسط، مما يجعل مقارنته بتجارب دول أخرى عملية محفوفة بالمخاطر إذا لم ندرك خصوصية الاستثناء السوري، فبينما يمكن استحضار تجربة اجتثاث النازية في ألمانيا أو لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، أو حتى تجربة الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية، وغيرها من التجارب الدولية، إلا أن طبيعة الحدث السوري وفرادته، تفرض تحديات تفوق كل النماذج الدولية، وتجارب الدول التي شهدت صراعات وحروب.
في سوريا، لم يكن النظام مجرد سلطة سياسية، بل كان دولة أمنية عميقة صهرت المؤسسات في بوتقة العائلة والولاء المطلق، مما حول الصراع في سوريا من صراع على تداول السلطة إلى صراع على الوجود والهوية، كما أن الجغرافية السورية بكونها ملتقى لخطوط الطاقة والتجارة والتوازنات الإقليمية، الأمر الذي جعل من سورية ساحة لتصفية حسابات عالمية، وهو ما لم يحدث في تجارب أخرى بنفس الكثافة والتعقيد، حيث تداخلت الحرب الأهلية مع حروب الوكالة الدولية بشكل عضوي لا يمكن فكه.
في المقابل فإن تعدد الطوائف والمكونات في سوريا لا يجب أن يُنظر إليه كعائق أمام التطور السياسي بقدر ما هو اختبار للوطنية السورية، فالتجارب الدولية تعيد إنتاج نفسها في سوريا ولكن بصيغ مختلفة؛ فإذا كان لبنان على سبيل المثال لا الحصر، قد ذهب نحو المحاصصة الطائفية التي شلت الدولة، فإن على السوريين الحذر من هذا المنزلق عبر الاستفادة من الجانب المؤسساتي والديمقراطي في تجارب الدول الناجحة، مع تكييفها لتناسب واقعاً يرفض فيه الفرد السوري أن يُختزل في طائفته بعد كل هذا الثمن الباهظ، ونتيجة لذلك فإن الاستفادة من تجارب الآخرين يجب أن تتركز في كيفية بناء دولة المواطنة التي تفصل بين الهوية الشخصية وبين الهوية السياسية، وهي عملية تتطلب هندسة اجتماعية جريئة تتجاوز مجرد تغيير الدستور أو إجراء انتخابات، لتصل إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي.
لتجاوز ما مر به السوريون، يتطلب الأمر مقاربة ثورية في الفكر السياسي الوطني، تبدأ من الاعتراف المتبادل بالآلام وكسر سرديات المنتصر والمهزوم، وعلى السوريين أن يدركوا أن المرحلة الانتقالية الحالية ليست مجرد تبديل وجوه في السلطة، بل هي محاولة لترميم الذات السورية المحطمة، وهذا يتطلب اعتماد براغماتية وطنية تتصالح مع الجغرافية وتستثمر في الانفتاح الدولي ولكن مع الحفاظ على المركزية السورية كبوصلة وحيدة، فـ العبء التاريخي الذي يحمله السوريون منذ الاستقلال، أنتج حالة من الاغتراب السياسي، ولذلك، فإن المهمة الأساسية للسلطة الجديدة وللمجتمع السوري هي إعادة الاعتبار للسياسة كفعل عام يشارك فيه الجميع، وليس كأداة أمنية للقمع.
إتساقاً مع ما سبق ولتجاوز المحنة الوطنية التي مر بها السوريين، فإن ذلك يتطلب عدالة انتقالية لا تهدف للانتقام، بل تهدف لمنع تكرار المظلمة، وهذا هو الجوهر الذي يمكن استعارته من تجارب دولية كبرى؛ بهذا المعنى فإن فرادة الحدث السوري تفرض على السوريين أن يكونوا مبتكرين لا مقلدين، فالسوريون اليوم أمام فرصة تاريخية لصناعة نموذج فريد يوفق بين تعددية المجتمع وبين متطلبات الدولة الحديثة والقوية، وهذا لن يحدث إلا إذا تحول السوريون من رعايا في دولة أمنية إلى شركاء في مشروع وطني يرى في التنوع قوة لا ثغرة أمنية، وفي الجغرافيا فرصة لا لعنة مستديمة.
الكاتب والباحث السياسي : أمجد إسماعيل الآغا

