لم تعد معركة المناخ مجرد أرقام لانبعاثات الكربون، أو نِسبٍ لارتفاع درجات الحرارة؛ بل غدت معركةً وجوديةً تكتمل ملامحها بنصفها الآخر.
ومن هذا المنطلق، يضع تقريرُ التشكيل الجنساني السنوي، الصادر عن أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، بوصلةً واضحةً أمام الدول الأعضاء، ليتتبع خطى النساء في أروقة صنع القرار، ونِسبِ مشاركة المرأة في الوفود الرسمية، ويقيس مدى صياغة سياساتٍ بيئيةٍ عادلة، لا تستثني أحداً.
التقرير السنوي الذي يقيّم التقدم المحرز نحو تحقيق التوازن الجنساني، في الهيئات والوفود الرسمية، كشف في نسخته لعام 2026، عن ارتفاع متوسط تمثيل المرأة في مناصب الهيئات، إلى أربعةٍ وأربعين في المئة مقارنةً بأربعين في المئة في عام 2025.
وحول تحقيقِ التوزان في اللجان، نجحت سبع هيئاتٍ من أصل سبع عشرة، في تحقيق التوازن الكامل بين الجنسين، بنسبٍ بلغت خمسين في المئة أو أكثر، وتصدّرت “لجنة تنفيذِ اتفاق باريس” النسبة الأعلى بسبعةٍ وستين في المئة، بينما سجلت آليةُ التنمية النظيفة النسبةَ الأقل بعشرين في المئة.
أما بالنسبة للوفود الرسمية فقد شهدَ مؤتمُر الأطراف “كوب 30” زيادةً في تمثيل النساء، لتصل إلى ثلاثةٍ وأربعين في المئة فاصلة ستة، بارتفاع خمسة نقاط مئوية فاصلة ثمانية، فيما ارتفعت نسبةُ النساء اللواتي يشغلن مناصبَ رؤساء ونواب رؤساء الوفود، إلى ستةٍ وثلاثين في المئة فاصلة خمسة، بزيادةٍ قدرُها أربعُ نقاط مئوية فاصلة واحد.
كما تشكل النساء الأغلبيةَ في الفئات الشابة تحت خمسةٍ وثلاثين عامًا، بينما ينخفض تمثيلهُنَّ بشكلٍ حادٍّ في الفئات العمرية، الأكبرِ من ستةٍ وخمسين عامًا، لتتراوح النِّسبُ بين تسعة عشر وثلاثةٍ وثلاثين في المئة.
هذه الأرقام تنعكس على صنع القرار الفعلي في المفاوضات، وتؤدي إلى ضمان إدراج بنودٍ صريحةٍ تتعلق بالعدالة الاجتماعية في القرارات النهائية للمؤتمرات، وتوجيه التمويلِ المناخي لدعم المجتمعات المحلية والنساء، باعتبارِهِنَّ الأكثرَ تأثُّراً بالتغير المناخي في الدول النامية وفق التقرير، كما أن التوازن يساهم في نقل الحلولِ الميدانية، مثل الأمن الغذائي والمائي إلى طاولة المفاوضات الرسمية، بدلاً من التركيز الحصري على الحلول التكنولوجية الصناعية.
وبحسب التقارير والدراسات التي ترصد أَثَر التوازن الجنساني في مفاوضات المناخ الأممية، تميلُ المفاوضات التي تشهد مشاركةً نسائيةً واسعة، إلى بناء تحالفاتٍ مَرنةٍ بين الدول، تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية للوصول إلى توافق الآراء.
