مع سقوط النظام السوري قبل أشهر، وتشكيل حكومةٍ انتقاليةٍ لإدارة شؤون البلاد، لم تتوقف التدخلاتُ الخارجية عن رسم المشهد الميداني والسياسي في سوريا. وفي مقدمة هذه التدخلات، يبرُزُ الدوْران التركي والإسرائيلي، اللذان يختزلان صراعَ نفوذٍ متزايدٍ على الأرض السورية.
ففي المناطق المحتلة من الشمال السوري، يواصل النظام التركي تعزيزَ وجوده العسكري والإداري، في مسعًى واضحٍ لفرض أمرٍ واقعٍ واحتلال دائم، مع محاولاتٍ للتأثير على البنية السكانية في بعض المناطق، واستهداف مكونات شمال وشرق سوريا، التي تؤدي دوراً أساسياً في مواجهة الإرهاب.
وفي هذا السياق، صعّد زعيم حزب الحركة القومية التركي، دولت بهجلي، من لهجته تجاه قوات سوريا الديمقراطية، مهدداً إياها بضرورة الالتزام ببنود اتفاقية العاشر من آذار، وإلا فإن الخيار سيكون اللجوء إلى عملٍ عسكريٍّ مشترك مع دمشق ضدها. ويرى مراقبون أن هذه التصريحات، تكشف عن محاولة أنقرة استخدامَ ورقة التهديد العسكري، لتعزيز نفوذها في الشمال السوري، والضغط على مكونات المنطقة التي ترفض أي وصايةٍ خارجية.
وفي المقابل، تكثّف إسرائيل ضرباتها الجوية ضد مواقع داخل الأراضي السورية، تحت ذريعة مواجهة تهديداتٍ أمنية. إلا أن هذه العمليات كثيراً ما تُصيب أهدافاً مدنيةً وعسكرية سورية، مسببةً خسائرَ بشريةً ومادية، الأمر الذي يزيد من معاناة السكان ويعمّق هشاشة الوضع الأمني.
ويرى خبراء أن هذا التنافس بين أنقرة وتل أبيب على الأرض السورية، يعكس سباقاً لإعادة رسم خرائط النفوذ في مرحلة ما بعد سقوط النظام، حيث تسعى كل قوةٍ إلى ضمان موطِئ قدمٍ دائم لها. لكن الخاسرَ الأكبر في هذه المعادلة يبقى الشعبَ السوري، الذي لا يزال يواجه تبعاتِ الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا الوضع دون إطار سياسي جامع، قد يُطيل أمد الفوضى، ما لم تسعَ الحكومةُ الانتقالية إلى جمع السوريين على كلمةٍ سواء، ومنحهم حقوقهم كاملة، بما يعزز الوحدة الوطنية، ويضع حداً لكل أشكال الاحتلال والاعتداءات.
