تتسم دول الخليج العربية بصيفها الحار، لكن صيفها هذا العام كان مختلفاً، فترقب العواصم الخليجية للخطى المتثاقلة التي سارت بها مفاوضات فيينا الساعية لإحياء الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، زاد من حرارة الأجواء وضاعف من مخاوفها من جارتها التي تناصبها العداء في معظم الملفات.
دول الخليج بشكل عام والسعودية والإمارات بشكل خاص، تتخوف من عودة الحياة للاتفاق النووي لإيران، فطهران منذ عام 2015 زاد نشاطها في مياه الخليج، وكذلك عظم نفوذها في دول المنطقة كسوريا ولبنان واليمن.
الرياض وأبو ظبي أرجعتا التمدد الإيراني المتزايد في المنطقة منذ ذلك الحين، إلى استفادتها من تخفيف العقوبات الغربية عنها بموجب الاتفاق، الذي ألزمها أيضاً بتحجيم نشاطها النووي، وجعل برنامجها مخصصاً فقط للاستخدامات السلمية.
الاتفاق حينها أغضب دول الخليج، بسبب قلقها من آثار استخدامه عسكرياً على أمنها واقتصادها، وكذلك أمن واقتصاد منطقة الشرق الأوسط، ولم تخفيا ترحيبهما بقرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب القاضي بالانسحاب من الاتفاق عام 2018.
هواجس دول الخليج بقيت مستمرة رغم الانسحاب الأمريكي، فجارتهم الكبرى لا تكن الود لهم، ولذلك طالبوا بالمشاركة في مفاوضات فيينا، ليكون لديهم الفرصة لعرض مطالبهم والحصول على الضمانات اللازمة، لأن المشروع النووي الإيراني يعتبر حسب وصفهم، تهديداً مباشراً لهم.
وما عزز تلك الهواجس هو رد فعل ترامب على قصف في عام 2019، حمل بصمات إيرانية، على أهداف في العمق السعودي حين قال “لقد كان هجوماً على السعودية، ولم يكن هجوماً علينا”.
ولطالما أصرت دول الخليج على أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يتجاوز الملف النووي، وأن يشمل أيضاً برنامج طهران الصاروخي، والأنشطة المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة، ودعمها المباشر للجهات المسلحة غير الحكومية مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وعدة فصائل مسلحة في سوريا.
مساعي العواصم الخليجية باءت بالفشل، ما جعلها تراقب المفاوضات وتترقب نتائجها بحيطة وحذر شديدين، فالاتفاق ربما يكون قبلة الحياة لإيران، التي تهالك اقتصادها على وقع العقوبات الغربية التي قوضت كثيراً من خيارات القادة الإيرانيين لمقاومتها.
التخوف الأكبر لدول الخليج هو أن تتحول الأخيرة إلى ساحة لتبادل الرسائل بين إيران من جهة وأمريكا والعالم الغربي من جهة أخرى، فهي على يقين تام بأن طهران لن تجرؤ على تهديد تل أبيب، فرد فعلها يختلف تماماً عن رد الدول الخليجية التي لا تحبذ الدخول في حرب مع إيران لاعتبارات استراتيجية.
اليوم تقترب القوى الكبرى وأمريكا وإيران من إحياء الاتفاق النووي، وفق التصريحات المتواترة من كافة المشاركين في مباحثات فيينا، لكن ما التنازلات التي سيقدمها كل جانب، وما هي المكاسب التي سيحصل عليها، كل ذلك منوط بالأيام القادمة التي ستكشف كل شيء.
وإلى حين ظهور المخرجات الأخيرة للمفاوضات، تبقى الدول الخليجية التي تصور نفسها كحمل وديع مهدد من قبل ذئب مفترس متأملة عوناً من حلفائها في حال لو تمادت طهران يوماً ما، وإلى ذلك هي منتظرة، وإنا لمنتظرون.
