رغم إعلان الولاياتِ المتحدة والاتحادِ الأوروبي عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، فإنّ الواقعَ الاقتصادي لم يشهدْ تحسّناً جوهرياً حتى الآن… هذا التناقضُ بين التغيّراتِ السياسيةِ والنتائجِ الاقتصادية يطرحُ تساؤلاتٍ حول العواملِ البنيويةِ والداخليةِ التي تُعيقُ التعافي.
رَفْعُ العقوباتِ الأمريكية كان تدريجياً، ويتطلّبُ مراجعاتٍ قانونيةً وتنفيذية، وهو ما أخّر تأثيرَه الملموس، أمّا العقوباتُ الأوروبية، وعلى الرغم من أنّها رُفعتْ رسمياً في أيار/ مايو ألفين وخمسةٍ وعشرين، فإنّ الانعكاساتِ الاقتصاديةَ تحتاج وقتاً لتظهَرَ بسببِ تعقيداتِ الواقعِ السوري.
البنوكً السورية ما زالت تواجهُ صعوباتٍ في الاندماج الكامل في النظامِ المصرفي الدَّوْلي، نتيجةَ سنواتٍ من العزلة الماليةِ وفُقدانِ الثقة، كما أنّ القيودَ الإدارية على التحويلات، والشكوكَ حول البيئةِ المصرفية، تؤدي إلى بطءٍ شديد في تدفقِ رأسِ المالِ والاستثماراتِ الأجنبية.
أما البنيةُ التحتيةُ الاقتصادية ما تزال في حالةِ تدهورٍ، نتيجةَ دمارٍ شاملٍ طال قطاعاتِ الصناعةِ والنفطِ والزراعة، إذ تعاني البلادُ من أزمةِ كهرباءٍ ووقودٍ حادة، وانهيارٍ شبهِ كاملٍ في الخدماتِ العامة، إلى جانبِ استمرارِ انخفاضِ قيمةِ الليرةِ السورية، ممّا يؤدّي إلى مستوياتٍ تضخميةٍ مرتفعة تُثقلُ كاهلَ المواطنين.
كما أنّ البيئةَ الاستثمارية في سوريا ما تزال طَارِدةً، بسببِ المخاطرِ السياسية، وعدمِ وضوحِ الرؤيةِ المستقبلية، واستمرارِ الفسادِ الإداري، ممّا يُضعِفُ ثقةَ المستثمرين المحلّيين والأجانبِ على حدٍّ سواء. وكذلك هجرةُ العقول وغيابُ الكفاءات يحدّانِ من قدرةِ البلاد على تنفيذ برامجِ إعادةِ الإعمارِ بكفاءة.
ويرى مراقبون أنّ الفسادَ وضَعفَ الحوكمةِ من أبرز التحدياتِ الداخلية، إذ تُشيرُ تقاريرُ عديدةٌ إلى أنّ غيابَ الشفافيةِ والمساءلةِ ما يزالان يُعيقان أيَّ محاولاتٍ لإصلاحٍ حقيقيٍّ أو جذبِ مساعداتٍ دَوْلية.
وبالتالي، فإنّ رفعَ العقوباتِ وحدَه لا يكفي لتحسينِ الوضع الاقتصادي في سوريا، ما لم يُرافقْهُ إصلاحٌ إداريٌّ عميق، واستقرارٌ سياسي، وبناءُ ثقةٍ دَوْليةٍ ومَحَلّيةٍ بالاقتصادِ السوري. هذه العواملُ مجتمعةً هي التي ستمهِّدُ الطريقَ نحو انتعاشٍ اقتصاديٍّ حقيقيٍّ شامل.
