“الحكومة السورية تقايض المخدرات مع بعض قيادات الفصائل والعناصر مقابل التجنيد لصالحها والسلاح والمعلومات”
ما إن فرضت الدولُ الغربية العقوباتِ على الحكومة السورية مع انطلاق الأزمة في البلاد، حتى التجأت الأخيرةُ إلى البحث عن مصادرَ أخرى تموّل عملياتها وأنشطتها العسكرية، وكان أبرزها إنشاء معاملَ لإنتاج المخدرات وتوزيعها داخلياً وتصديرها للخارج، إلى درجةٍ باتت تستخدمها كوسيلة ضغطٍ سياسية، وورقةِ مُساومة، وقد أصبحت تتصدّرُ أجندة الاجتماعات الدولية والعربية، فضلاً عن استخدامها كسلاحٍ فعالٍ ضد “المعارضة”، ويبدو أنها أثبتت جدواها في اختراق صفوفها.
“الانفتاح والمخدرات”
وكسبتِ الحكومة السورية مليارات الدولارات من تجارة المخدرات، وأصبحت هذه التجارة أحدَ أهم روافد الدعم لاقتصادها المُستنزَفِ تحت وطأة العقوبات، بحسب وسائلَ إعلامٍ غربية، تؤكد أن هذه التجارة درّت على الحكومة أموالاً ضخمةً تُعادل ميزانية خمس دولٍ مجتمعة.
وتتوزع معاملُ المخدرات في عدة محافظات وتتركز غالبيتُها في الساحل السوري، ويتكفل عناصرُ من جماعة حزب الله والفصائل الإيرانية بتوزيعها في المحافظات، ونقلها إلى الدول المجاورة ودول الخليج، الأمر الذي أصبح يتصدّر مَخاوفَ تلك الدول في ظل فشلهم في السيطرة على طرق التهريب التي تعتمدها تلك الفصائل.
محللون مُختصون في الشأن العربي قالوا، إن ملف المخدرات كان له دورٌ كبيرٌ في إعادة الحكومة السورية لاستئناف شَغلِ مقعدها بجامعة الدول العربية، في مسعىً من تلك الدول لكبح عمليات تهريب المخدرات التي باتت تغزو مُدُنَهم وأسواقهم وتدمّر مجتمعاتهم.
وقالت أسوشيتد برس” إن “الكبتاغون” أعطى حكومةَ الأسد نفوذاً قوياً لتفعيل عضويتها في الجامعة العربية، على أمل أن يتوقف تدفّق المخدرات إلى دول المنطقة”، مؤكدة أن “دمشق حققت مكاسبَ سياسيةٍ وماديةٍ عبر الإنتاج على نطاق واسع”.
“خرق الفصائل المسلحة”
واستخدمتِ الحكومةُ السورية ملف المخدرات كسلاحٍ ذي حدّين ضد الدول العربية، ويبدو أنها انتصرت في حربها ضد تلك الدول، ولعل الانفتاحَ العربي عليها يعكس نجاعَةَ أسلوبها في التعاطي مع حكوماتٍ كانت حتى وقتٍ قريبٍ ترفض أي تعاملَ معها، صارت تسعى اليومَ جاهدةً لإيقاف تدفق المخدرات من خلال التقارب مع دمشق، وكذلك استطاعت اختراقَ الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي عبر المخدرات، التي باتت تغزو مناطق الشمال السوري بصفةٍ شبهِ شرعية.
تحت أنظار الاحتلال التركي
يقول “م م” لقناة اليوم وهو من سكان مدينة الباب شمالي سوريا فضّل عدمَ الكشف عن اسمه خوفاً على حياته إن “المخدرات تنتشر في كل مكانٍ بالمنطقة، وخاصةً بين الفئة الشابة، وأوضح أن الفصائل أيضاً “كانت تمتلك معاملَ لتصنيع المخدرات بشكلٍ علنيٍّ في وقتٍ سابق، إلا أن تلك الموادَّ لم تكن تنتشر بشكلٍ كبيرٍ في المنطقة مثل ما يحصل الآن، وتعاطي تلك المواد لم يكن بهذا الحجم بين أبناء المنطقة”. مشيراً إلى وجود “خططٍ مدروسةٍ ضد المنطقة تتم تحت أنظار تركيا وبتواطؤٍ من استخباراتها” في المناطق المحتلة، حيث يتم “تمريرُ شحناتٍ كبيرةٍ من المواد المُخدرة، وخاصةً الكبتاغون، وتتوسط الاستخبارات التركية لإطلاق سراح بعض المُهربين الذين يتمُ إلقاءُ القبض عليهم”.
ويضيف “م م” أن “الاستخبارات التركية توسطت لدى هيئة تحرير الشام في أوائل أيار مايو الماضي، لإطلاق سراح مروّج مخدرات، والدُ زوجتِهِ يتزعّم إحدى الفصائل في الباب”، مؤكداً أن الهيئة أطلقت سراح المُهرّب وأمّنت وصولَه إلى مدينة الباب المحتلة.
“المخدرات والمقايضة”
أما “ف م” وهو شقيقُ أحد عناصر الفصائل التابعة للاحتلال التركي، فقد كشف لقناة اليوم أن “ملف المخدرات يتعدى كونها تجارةً لجني الأموال فحسب، بل أصبحت قوةً ذات تأثيرٍ كبيرٍ تُستخدم ضد المنطقة”، مؤكداً أن “النظام السوري يقايض المخدرات مع بعض قيادات الفصائل والعناصر مقابل التجنيد لصالحه، والحصول على أسلحةٍ ومعلومات.
وقال “ف م” إن الصفقات بين “النظام وبعض القيادات من الفصائل ليست بجديدة، موضّحاً أن هذا الأمرَ “بات معلوماً للكثير إلا أنه لا أحدَ يتجرأ على الإفصاح عنه، خوفاً على حياتهم من قادة الفصائل”.
وتشهد المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل التابعة للاحتلال التركي فلتاناً أمنياً متصاعداً، وقد صارت أشبهَ بمناطق عصاباتٍ مافيوية، تعتمد الاقتتال فيما بينها للسيطرة والنفوذ، وتمتهن القَتلَ والتصفيات وكل الوسائل الممكنة من أجل الاستيلاء على ممتلكات المدنيين أو مناطق النفوذ حيث تجارة المخدرات والبشر والآثار وعمليات النصب المُتعلقة بالعملة والاحتيال.
“المخدرات ضد شمال شرق سوريا”
مناطق شمال شرق سوريا لم تسلم أيضاً من مخططات الحكومة السورية التي تحاول بشتّى الوسائل إدخال المخدرات إليها عبر أذرعها في المنطقة، وسبق أن ضبطت قِوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية عشرات الشحنات من المواد المخدرة قبل أن يتم إدخالها لمناطقها.
وأكدت مصادرُ خاصةٌ لقناة اليوم أن شخصاً يلقب ب حاج مهدي اللبناني وهو مسؤولٌ بجماعة حزب الله، وبعض المسؤولين في المخابرات الجوية التابعة للحكومة السورية، يشرفون على محاولات إدخال المواد المخدرة إلى شمال شرقي سوريا، لضرب استقرار وأمن المنطقة.
وتقول صحيفة لوموند الفرنسية “يقف على رأس هرم الجيل الجديد من مُصنِّعي ومُهرّبي المخدرات، عددٌ من المُقربين من بشار الأسد الذين يتميزون بنشاط أكبر، وأبرزهم شقيقه رئيس الفرقة الرابعة ماهر الأسد، ومؤسس ميليشيا الدفاع الوطني سليمان بن هلال الأسد”.
وتعتمد الحكومة السورية سياسةَ تصديرِ الأزمات التي تُعدُّ ركيزةً أساسية في التعامل مع دول الجوار لابتزاز تلك الدول، وإجبارها على تقديم تنازلاتٍ ودفع أموالٍ من أجل إنقاذ الاقتصاد السوريا المُستنزف، وتتكفل الفصائل الإيرانية وجماعة حزب الله اللبنانية بعمليات تهريب الحبوب والمواد المخدرة إلى دول الخارج مثل الأردن كنقطة عبور إلى الدول الخليجية، كما يعتبر العراق ممراً رئيسياً لعبور تلك الشحنات.
وفي أعقاب إعادة سوريا الى جامعة الدول العربية، ورغم التعهدات التي قطعتها دمشق بالعمل على وَقف تلك التجارة، اتخذت عملياتُ التهريب منحىً تصاعُدياً، حيث ضَبطت السعودية شحناتٍ ضخمةً من الكبتاغون قادمةً سوريا، كما أعلن الأردن إحباط العديد من الشحنات أبرزها مؤخراً إسقاط طائرةٍ مسيرة كانت مُحملةً بالمواد المخدرة، ما يعني استمرار الحكومة السورية في ابتزاز دول الجوار بهذه الآفة المُدمّرة، وعدم الكفِّ عن أساليبها والتخلي عن مصادر تمويلها من تهريب المخدرات التي تُدِرُّ عليها مليارات الدولارات.
