على مدى عقود واجه الشعب الكردي في تركيا حملات ممنهجة لمحو ثقافتهم وهويتهم القومية، ونعتتهم بتسميات عدة، مثل أتراك الجبال، وسنّت قوانين وشرائع، تمنع استخدامَ اللغة الكردية في التعليم والإعلام وحتى في الخطاب السياسي.
ترافقتْ مع تلك القوانين سياساتُ التتريك التي منعت التعليم والاحتفاء الرسمي بالثقافة الكردية، إلاّ أنّ الكرد خرجوا باحتجاجات شعبية دفاعاً عن هويتهم وثقافتهم الممتدة لآلاف السنين.
واجهتِ الحكوماتُ التركية المتعاقبة هذه الاحتجاجات، بأبشع أنواع الممارساتِ الوحشية من اعتقالات تعسفية وتهجير قسري والكبت السياسي لعشرات الآلاف من المواطنين الكرد ممّا شكل جرحًا عميقًا في نسيج الدولة والمجتمع على حد سواء، وأجّج الصراعَ وأعاق فرصَ السلام والاستقرار.
ففي بُؤرة الصراعات الكبرى التي هزّت الشرق الأوسط خلال العقود الماضية برزتِ القضية الكردية في تركيا كواحدة من أعقد ملفّات الحقوق القومية والسياسية في العصر الحديث، والتي ارتبطت بتراث تاريخي ثقيل من النضال والصمود، نشأت جذورها في عمق محطات قمع ممنهجة واجهتها الأجيال الكردية ولا سيما النساء المناضلات اللواتي جعـلن من صوتهنّ دربًا للحرية وشعاراً للكرامة وعلى رأسهن ليلى زانا التي تحوّلت إلى رمز حيّ للهُوِيَّةِ والكفاح.

الأيقونة الكردية داخل البرلمان التركي
ولدت ليلى زانا عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وستين في مدينة سيلوان بجنوب شرق تركيا، ونشأت في بيئة تجسد الكفاح اليومي من أجل الحقوق الكردية، ودخلت المجالَ السياسي في الانتخابات العامة في البلاد عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وتسعين والتي حظيت بدعم كبير من نساء المِنطقة، وأصبحت نائبة بالجمعية الوطنية الكبرى بتركيا عن مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية، عن قائمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وفي السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وتسعين واجهت في مراسم أداء اليمين الدستورية للبرلمان في الفترة التشريعية التاسعةَ عشرةَ العديدَ من ردود الفعل، وذلك لأنّها ختمت كلامها في قاعة البرلمان بجملة “أقسم إنني مسؤولة عن أخوة الشعبين التركي والكردي”، كما بدأت حلف اليمين باللغة التركية، ثم أكملته باللغة الكردية، وكانت ترتدي وشاحاً مزركشاً بألوان العلم الكردي.

وفي الثالث من آذار/ مارس عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وأربعةٍ وتسعين رُفِعتِ الحصانةُ البرلمانية عن ليلى زانا في التصويت بالجمعية العامة البرلمانية، وذلك بسبب البيان الذي ألقتْه في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي اليوم التالي احُتجزت ليلى زانا رهنَ التحقيقات مع خمسةِ أعضاءَ آخرين، ورُفعت عنهم الحصانة.
في السابعَ عشرَ من آذار/ مارس عام ألفٍ وتسعِمئةِ وأربعة وتسعين حُكم على ليلى زانا بالسجن خمسةَ عشرَ عاماً وذلك بحجّة انتمائها لمنظمة إرهابية، ولم يكن ذلك اليومُ بدايةَ مسيرة نيابية فقط، بل بداية الوقوف في وجه سياسات التهميش، والإلغاء الثقافي والانكار، وإعلان تحدٍ للنظام الذي لجأ إلى السجن كأداة لإخماد أصوات الحق. فاعتقالها لم يكن تصرّفاً قانونياً عادياً، بل كان محاولة لقتل الروح المناضلة، وحبس الفكرة الثائرة التي تؤمن بها وبين نضالها المدافع عن حقوق الشعوب المضطهدة.
على الرغم من محاولات الدولة التركية النيلَ من عزيمتها، وزرعَ روح الانهزام والانكسار في أعماق زنزانتها، تحوّلت ليلى زانا إلى رمزٍ لا يُقهَر، وأصبحت أيقونةً لصمودِ الهوية، وقوةِ الإرادة التي لا تلين.
هناك خلف القضبان، وضعت كلماتِها الثاقبةَ والثقيلة، التي تحمل عبءَ التاريخ وآلامَ شعبها، لتكونَ شعلةً مضيئة لأجيال مقبلة، ورسالةً واضحة بأن الهوية القومية ليست جريمةً، بل جسرٌ نحو الحرية والعدالة.
صنعت ليلى زانا من سجنها محكمةَ حقيقةٍ ينظر من خلالها العالمُ للاضطهاد، وأطلقت صرخاتِ الحرية التي يتردّدُ صداها حتى اليوم في القلوب الكردية، والضمائرِ الحرة، لتذكّرَهم أنّ المقاومةَ هي نضالٌ بملحمة وطنية تخطّها بمِدادِ دمِ أبناءِ الشعب الكردي، لا توقفها قيودٌ أو سجون.
فخطواتها الجريئة التي كانت بمثابة تحدٍ سياسيّ كبير في ذلك الوقت، أدّت إلى اعتقالها، وإسكاتِ صوتِها المطالبِ بالاعتراف بهُوِيَّتِهم وصونِ كرامتهم.
——–
بداية نضال جديد
في الثامن من حزيران/ يونيو عام ألفين وأربعة، وبعد سنوات طويلة من الصمت والاعتقال التعسفي، أُطلق سراح ليلى زانا من السجن المغلق في أنقرة، ليكونَ هذا التحرّرُ نهاية فترةٍ صعبة من التعذيبِ والقمعِ واحتجازِ حريتِها، بسبب مواقفها وأفكارها.
فخروجُها من السجن لم يكنْ فقط تحرّرًا جسديًا، بل أيضًا بدايةً جديدةً لرحلةِ نضالها من أجل الدفاع عن هُوِيَّتها وقوميتِها.

بداية عصر السلام
من وراء القضبان في معتقله بجزيرة إمرالي، قبالة سواحل إسطنبول خرج قائد حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان بنداء سلام جديد في أواخر شباط/ فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، يحمل في طيّاته آمالاً كبيرةً في التغيير، فيدعو فيه مقاتلي الحزب إلى إلقاء السلاح وإنهاء الكفاح المسلح، والبَدءِ بصفحةٍ جديدةٍ تُكتب بمفردات السلام.


مراسم رمزية
كبادرةٍ لحسن النية وتلبية لنداء أوجلان، الذي أطلقه في أواخر شباط/ فبراير عام ألفين وخمسة وعشرين، أقدم عددٌ من المقاتلات والمقاتلين في خطوة رمزية لبناء الثقة على إحراق أسلحتهم في محافظة السليمانية بإقليم كردستان، ليمثلَ ذلك نقطةَ تحوّلٍ حقيقيّ في تاريخ الكفاح الكردي، والذي استمر سبعةً وأربعين عاماً، ليدخلَ الحزب مرحلةً جديدةً من النضال السياسي، ويختتمَ بها فصلًا من المقاومة المسلحة، ويبدَأ فصلاً جديدًا يملؤه الأملُ والسلامُ والديمقراطية.
هذه الخطوةُ ارتد صداها بشكلٍ واسع في الأوساط السياسية، وكانت رسالةً واضحة للداخل التركي والعالم أنّ مرحلةَ الكفاح المسلّح قد أُغلِقت، وفتِحَ المجالُ أمام العملية السياسية لتصبحَ تلك اللحظة علامة فارقة في تاريخ الصراع مع تركيا وتجسيدًا لرغبة حقيقية بالانصهار في بوتقة السلام الوطني.
كلماتُ ليلى زانا تردّدَ صداها في أروقة السياسة التركية في المرحلة التي تلتْ إلقاء السلاح، وبدأ الخطاب السياسي التركي بالانفتاح التدريجي تجاه القضية الكردية، حيث بدأ رئيس النظام التركي رجب أردوغان ورئيسُ حزب الحركة القومية دولت بهجلي بترديد كلمات المناضلة ليلى زانا تعبيراً لرمزية نضالها لسنواتٍ طويلة، والذي مهّد الأرضية لتغييرات دستورية وتشريعية تهدف إلى تعزيزِ الحقوق السياسية والثقافية للكرد، وإنهاءِ سنواتٍ من الاستقطاب العنيف.

تشكيل اللجنة المكلفة بالقضية الكردية
وفي منتصف تموز/ يوليو الماضي أعلن البرلمان التركي تشكيلَ لجنةٍ برلمانيةٍ مكوّنةٍ من ثمانية وأربعين عضواً من مختلف الأحزاب بهدف بحث القضية الكردية بشكل شامل، وإيجادِ الأساس القانوني والسياسي المناسب لعملية السلام، لتشهدَ تسميتُها جدلًا محتدماً بين الأحزاب السياسية المختلفة، حيث تصارعت تسميات اللجنة من تركيا بلا إرهاب، إلى لجنة التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية كإطار جامع وشامل يعكس طموح التعايش والوئام.
رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش كشف أنه تمَّ خلال الاجتماع الافتتاحي الذي عقد في الخامس من آب/ أغسطس قبول مقترح مقدّم من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، بانتخاب ثلاثة أعضاء جددٍ بدلاً من نواب حزب الجيّد القومي، الذين قاطعوا اللجنة وأعلنوا رفضهم للعملية برمتها، وبذلك سيرتفع عدد أعضاء اللجنة إلى واحدٍ وخمسين عضواً.
كما تمّ قبولُ اقتراح رئاسة البرلمان بأنْ يُستكمل نصابُ اللجنة في الاجتماعات بالأغلبية البسيطة، ومع ذلك تمسّكت أحزابُ المعارضة بأن تُتّخذ القراراتُ بأغلبية الثلثين، وهو ما تمَّ اعتمادُه فعلياً، خلافاً لما اقترحته رئاسة البرلمان من الاكتفاء بالأغلبية البسيطة.

الخطوات الديمقراطية والعملية السياسية
عضو المجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني مصطفى قره سو صرّح أنّ نجاحَ مهمة اللجنة البرلمانية المكلفة بحل القضية الكردية يعتمد على اتخاذها خطواتٍ ديمقراطية تشمل مناقشة وضع قائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وألاّ تقتصرَ مهامُها على نزعِ السلاح ومشروعِ العودة فحسب.
——————-
القضية الكردية في تركيا ليست مجرّدَ نزاع سياسيّ أو إقليميّ، بل هي جوهرُ مأساةٍ إنسانية تحمل في طياتها آمالَ شعبٍ يعانق الحرية والكرامة، وينشدُ السلامَ والديمقراطيةَ الحقيقية. هذا الشعبُ الذي اختبر الكفاحَ المسلّح لعقودٍ طويلة، أكّد أنّ معركة السلام هي الخِيار الأمثلُ لحلِّ جميع القضايا في البلاد.
فاليوم ومع استمرار أصوات المناضلين والمناضلات، الذين رفعوا راية الهوية والحقوق يبقى السؤال الأهم يراود الأذهان هل ستتمكّن تركيا من بناء جسور الثقة وإقرارِ سلامٍ ديمقراطيّ شاملٍ يُلبّي تطلعاتِ الجميع؟.
