منذ سنوات، لم يعد مصطلح السيادة الوطنية في سوريا مجرد مفهومٍ سياسي جامع، بل تحول إلى عنوانٍ للصراع الداخلي والخارجي في آن واحد.
فالدولة السورية، التي تؤكد باستمرار تمسُّكَها بوحدة البلاد ومركزية القرار السياسي، تواجه اليومَ اختباراً بالغ الحساسية، كيف يمكن الدفاع عن السيادة بينما تنتشر على الأراضي السورية قواعدُ عسكريةٌ أجنبية، تركية في الشمال، وإسرائيلية في الجنوب والجولان المحتل، وسط غيابٍ واضحٍ لقدرة الردع أو فرض القرار الوطني الكامل.
في شمال سوريا، عزّزت تركيا وجودها العسكري عبر عشرات القواعد والنقاط الأمنية، الممتدة من عفرين إلى إدلب وسري كانيه رأس العين، تحت ذرائعَ أمنيةٍ مرتبطة بملف الحدود وأمنها القومي.
أما إسرائيل، فتواصل تنفيذَ توغلاتٍ متكررة داخل العمق السوري، وتنفيذَ هجمات على مواقع عسكرية وبنى تحتية، في مشهدٍ يؤكد هشاشة الواقع السيادي السوري، ويكشف أن الحدود لم تعد تخضع بالكامل لمنطق الدولة المركزية.
ورغم هذا الواقع، تبدو دمشق أكثرَ تشدُّداً في مواجهة مطالب بعض المكونات السورية بالحكم اللامركزي، لا سيما الكرد، إضافةً إلى أصواتٍ متزايدة داخل البيئتين العلوية والدرزية تطالب بإدارة محلية أوسع وضمانات سياسية وأمنية واقتصادية.
وتعتبر السلطة السورية أن أي مشروعٍ لا مركزي قد يهدد وحدة البلاد، ويفتح الباب أمام التقسيم، لكنها في المقابل تواجه انتقاداتٍ متصاعدةً تتهمها باستخدام شعار السيادة الوطنية داخلياً، ضد الخصوم السياسيين والمكونات القومية والطائفية، بينما تبقى هذه السيادة منقوصةً أو غائبة تماماً أمام التدخلات الخارجية.
المفارقة أن السوريين الذين يطالبون بصيغ حكمٍ محلية أو لا مركزية، لا يقدمون أنفسهم بالضرورة كخصومٍ للدولة، بل يعتبر كثيرٌ منهم أن اللامركزية قد تكون وسيلةً للحفاظ على وحدة سوريا، عبر توزيع السلطة والثروة ومنح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في إدارة شؤونها، بدلاً من إعادة إنتاج نموذج الدولة الأمنية المركزية، الذي ساهم في تفجير الأزمة منذ البداية.
اليوم، تبدو دمشق أمام معادلة معقدة، فاستعادة السيادة لا يمكن أن تتحقق فقط عبر الخطابات السياسية أو التمسك بالشكل التقليدي للدولة، بل تحتاج وفق مراقبين إلى مشروع وطني شامل، يعيد بناء الثقة بين الدولة ومكوناتها، بالتوازي مع تحرُّكٍ دبلوماسي وقانوني وسياسي، لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي على الأراضي السورية.
فالسيادة عند الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على ضبط الداخل، بل أيضاً بقدرتها على حماية حدودها وقرارها الوطني، وأيُّ مفهومٍ للسيادة يفقد توازنه بين الداخل والخارج، يتحوّل من مبدأٍ وطني جامع، إلى أداة نزاعٍ وانقسام.
وفي سوريا، التي أنهكتها الحرب والتدخلات، يبقى السؤال مفتوحاً، هل تبدأ الحكومة استعادة السيادة بمواجهة الاحتلالات الخارجية أولاً، أم أنها ستحارب “طواحين الهواء” في الداخل.
