الكاتب: محمد هويدي_ كاتب وباحث سياسي سوري
المصدر:قناة اليوم
في نموذج الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، تتجدّدُ فرص التعايش بين العرب والكرد وباقي المكونات السورية، وتُطرح إمكاناتُ بناء عقدٍ اجتماعي يتجاوز الانقسامات، نحو دولةٍ ديمقراطية تعددية.
منذ آلاف السنين، تَشارك العربُ والكرد في سوريا أرضاً وتاريخاً، تقاطعوا فيه في الأسواق والمزارع، وفي الحروب والثورات، وفي الحكايات التي لا تعرف حدودَ اللغة. ومع ذلك، لم تسلم هذه العلاقة العريقة من التشويه والإقصاء، بفعل سياساتٍ قومية مركزية، تعاملت مع التعدد على أنه تهديد، لا فرصة.
مع اندلاع الأزمة السورية، وتصاعد الفراغ المؤسساتي والأمني، ظهرت تجارب حكمٍ محلي متعددة، من بينها نموذجُ الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، الذي قدّم رؤيةً بديلة قائمة على التعددية واللامركزية والتمثيل المتكافئ لمختلف المكونات، وفي مقدمتها العرب والكرد.
لم تكن هذه الإدارة مجرّد هيكلٍ إداري لمرحلةٍ انتقالية، بل جسّدت مشروعًا سياسيًا ومجتمعيًا، هدفُهُ كسر احتكار السلطة، وتجاوز منطق الإقصاء وملء الفراغ، عبر مشاركةٍ فعلية في القرار من قبل المكونات المحلية. العرب، الكرد، السريان، الآشوريون، الأرمن وغيرهم، شاركوا في إدارة مناطقهم من خلال مؤسساتٍ مُنتخبة ومجالسَ مدنيةٍ وعسكرية، في تجربةٍ لم تَخلُ من التحديات، لكنها أكدت على إمكان التعايش وشراكة المصير.
ورغم ذلك، لا تزال هناك ريبةٌ لدى بعض الأشخاص، سواءٌ أكانت بقصدٍ أم بحسن نية. يتردّد في بعض الأوساط العربية أن الكرد يتصدرون المشهد بشكلٍ مُفرط، بينما ينظر بعضهم إلى أن التمثيل العربي في بعض المناطق لا يرقى لمستوى الشراكة، وبعضهم الآخر يرى أن التمثيل الكردي لا يرقى إلى المستوى المطلوب. غير أن مثل هذه الإشكالات، بدلًا من أن تكون مدخلاً للقطيعة، على العكس تمامًا فقد فتحت بابًا لنقاشٍ مجتمعي حقيقي، يُطوّر التجربة ويُصلح ما فيها من خلل، عوضًا عن تقويضها بالكامل.
اليوم، وفي ظل تصاعد مشاريع التقسيم وعودة النزعات الإقصائية من أطرافٍ داخلية وخارجية وظهور سلطة جديدة، تبرز الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، بوصفها فرصةً تاريخية يجب اقتناصها. فهذه العلاقة بين المكونات، تم بناؤها على أُسس العدالة والاحترام المتبادل، وهي تُشكّل نواةَ عقدٍ اجتماعي سوري جديد، ينقذ ما تبقى من وحدة البلاد، ويُرسي أُسس الديمقراطية الحقيقية والنهوض بسوريا الجديدة.
لذا فإن مشروعَ الإدارة الذاتية ليس خياراً تكتيكياً، بل هو ضرورةٌ وطنية، وركيزةٌ لأي حل شامل. ولعلّ ما تحقق في الإدارة الذاتية – رغم محدوديته – دليلٌ على أن التعايش ليس وهمًا، بل مشروعًا ممكنًا وضروريًا، لمستقبل سوريا التي يحلم به جميع السوريين.
