يرتبط مستقبل الاستقرار في سوريا اليوم بجملة من الملفات المعقدة، في مقدمتها التحديات الأمنية وإعادة الإعمار. غير أن ملف عناصر تنظيم داعش الأجانب المحتجزين في سوريا يبرز كعامل حاسم في معادلة الأمن الداخلي السوري والأمن الأوروبي. هذا ما خلصت إليه صحيفة “ذا ناشيونال”، معتبرة أن استمرار تردد الدول الأوروبية في استعادة مواطنيها يهدد بإبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة، ويعرقل أي تقدم اقتصادي أو سياسي حقيقي.
تشير الصحيفة إلى أن الروابط التاريخية والجغرافية، إلى جانب المصالح السياسية والاقتصادية، تجعل من الاتحاد الأوروبي شريكًا طبيعيًا لسوريا في مرحلة ما بعد الحرب. ومع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت بوادر إعادة ضبط العلاقات بين دمشق وبروكسل، تجلت في خطوات أوروبية أولية لرفع العقوبات وإحياء اتفاقات التعاون، وفتح الأسواق الأوروبية أمام سوريا.
رغم هذا الزخم السياسي، لا تزال التحديات الأمنية تشكل العائق الأكبر أمام الانخراط الأوروبي الفعلي في الاقتصاد السوري؛ فالاشتباكات في شمال شرق البلاد، واستمرار التوتر بين قوات الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، دفعت جهات مالية وشركات أوروبية إلى التراجع عن خطوات استثمارية، كما حدث مع مصرفيين ألمان وشركة إيطالية فضّلت إدارة أحد الموانئ السورية عن بُعد.
وتحذر الصحيفة من أن هذا التردد الأوروبي يفتح المجال أمام شركات إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ، من مطار دمشق إلى ميناء طرطوس وقطاع الطاقة، ما يهدد بخسارة أوروبا لنفوذ اقتصادي كانت تسعى إلى ترسيخه في مرحلة ما بعد الحرب.
في قلب هذه المعادلة، يبرز ملف المقاتلين الأجانب المنتمين لتنظيم “داعش”، الذين ما زال الآلاف منهم محتجزين في سوريا. وترى “ذا ناشيونال” أن رفض العديد من الدول الأوروبية إعادتهم، رغم مشاركتها في التحالف الدولي لهزيمة التنظيم، يسهم بشكل مباشر في إدامة عدم الاستقرار الأمني داخل سوريا.
وتواجه الدول الأوروبية تحديات قانونية حقيقية، أبرزها صعوبة جمع الأدلة وغياب تشريعات واضحة في بعض الدول تجرّم الانضمام إلى جماعات إرهابية في المراحل الأولى من النزاع. في المقابل، يعتقد بعض الأطراف أن إبقاء هؤلاء في سوريا يقلل من خطر الهجمات في الداخل الأوروبي، فيما يخشى آخرون من استغلال اليمين المتطرف لأي خطوة في هذا الاتجاه.
غير أن الصحيفة تجادل بأن إعادة هؤلاء المقاتلين ومحاكمتهم في بلدانهم الأصلية يتيح مراقبتهم بشكل أكثر فاعلية، ويحد من مخاطر الهروب أو إعادة إنتاج التطرف داخل المخيمات المكتظة. وتستشهد في ذلك بتجربة العراق، الذي أعاد رعاياه وغيرهم في إطار استراتيجية تهدف إلى الانتقال من دولة متأثرة بالإرهاب إلى فاعل إقليمي يسهم في استقرار ما بعد النزاع.
وتخلص “ذا ناشيونال” إلى أن استمرار تهديد تنظيم داعش لا يضع سوريا وحدها أمام اختبار صعب، بل يضع أوروبا أيضًا أمام مسؤولياتها السياسية والأمنية. فاعتماد نهج إقليمي يقوم على تقاسم الأعباء والمسؤوليات، ولا سيما في ملف المقاتلين الأجانب، قد يشكل مفتاحًا لتحقيق الأهداف الأوروبية في سوريا، من الاستقرار الأمني إلى الفرص الاقتصادية، وصولًا إلى بناء بيئة تضمن الأمن والازدهار على المدى الطويل.
