وسط تصاعد التوترات الإقليمية، تتجه الأنظار نحو تقدم مفاوضات أمنية حساسة بين سوريا وإسرائيل، بوساطة أمريكية ورعاية خليجية، يُتوقع أن تُتوَّج باتفاق نهائي مع نهاية أيلول/سبتمبر المقبل. هذا التقارب بين دمشق وتل أبيب يُعيد رسم خريطة النفوذ في سوريا، ويضع علامات استفهام كبيرة حول الدور التركي المتزايد هناك، والذي بات يُنظر إليه كعامل تعطيل وابتزاز أكثر منه شريكًا في الاستقرار.
الشرع: المفاوضات مع تل أبيب وصلت مراحل متقدمة
بحسب ما نقلته قناة “سكاي نيوز عربية” عن أحمد الشرع، الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، فإن المفاوضات الأمنية مع تل أبيب وصلت إلى مراحل متقدمة، مع ترجيحات قوية بإمكانية التوصل إلى اتفاق يفوق فرص فشله. وأكد الشرع أن أي تفاهم سيستند إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974.
تقارير إسرائيلية: تركيا في موقف المتفرج القلق
في هذا السياق، نشر موقع “المونيتور” تقريرًا مطولًا للصحفي الإسرائيلي بن كاسبت بعنوان: “هل يؤدي الاتفاق الأمني المحتمل بين إسرائيل وسوريا إلى تكثيف التنافس مع تركيا؟”، أشار فيه إلى أن تل أبيب ترى في أنقرة لاعبًا مزعجًا يسعى لتقويض أي ترتيبات إقليمية لا تخدم أجندتها التوسعية في سوريا.
وبحسب التقرير، فإن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يُعد مهندس الدور التركي في سوريا، ويتابع عن كثب مسار المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، حيث تخشى أنقرة من أن يؤدي الاتفاق إلى تقليص نفوذها العسكري والسياسي، لا سيما في الشمال السوري، حيث تحتل مناطق واسعة تحت ذرائع “الأمن القومي”.
مراقبون: نفوذ تركيا عائق أمام الاستقرار
يرى مراقبون أن تركيا، التي دعمت منذ البداية تشكيل فصائل مسلحة موالية لها، تحاول الآن التأثير على هيكلة الجيش السوري الجديد عبر أدوات داخلية وخارجية، ما يثير قلقًا إقليميًا من أنها لا تسعى إلى استقرار سوريا، بقدر ما تعمل على تقسيمها إلى مناطق نفوذ تخدم مصالحها الخاصة.
التقديرات الإسرائيلية، بحسب التقرير، تُظهر قلقًا واضحًا من أن أنقرة لن تقبل بأي اتفاق يحد من وجودها العسكري أو يعطل دورها المحتمل في مشاريع إعادة الإعمار التي تحاول عبرها فرض شروط سياسية وأمنية تعزز نفوذها طويل الأمد.
إسرائيل: لا اتفاق على حساب أمننا
ورغم أن المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل تدعم المضي قدمًا في التفاهمات مع دمشق، إلا أنها تؤكد أنها لن تقبل بأي اتفاق “تحت أي ثمن” قد يهدد أمنها أو يُضعف قدرتها على التحرك بحرية في الأجواء السورية، خاصة باتجاه إيران.
الخشية الإسرائيلية تتزايد من أن يؤدي استمرار النفوذ التركي، بدعم قطري في بعض الأحيان، إلى خلق مراكز قوى متنافسة داخل سوريا تُربك أي تسويات إقليمية وتُبقي البلاد رهينة صراعات النفوذ، بدلًا من أن تستعيد سيادتها واستقرارها.
ما يجري بين سوريا وإسرائيل اليوم يتجاوز كونه مفاوضات أمنية تقليدية، بل هو اختبار حقيقي لإعادة ضبط توازن القوى في سوريا بعد سنوات من التدخلات الخارجية. وضمن هذا المشهد، يرى مراقبون أن تركيا تمارس دور “المخرب” لا الوسيط، عبر محاولات حثيثة لإبقاء سوريا مقسّمة وممزقة تحت شعارات مضللة.
وبينما تتقدم المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، يبدو أن العقبة الأكبر ليست في التفاهمات الأمنية، بل في الدور التركي الذي يُصر على فرض نفسه كـ”وصي” غير شرعي على الشمال السوري.
