خطوطُ تمايزٍ، جديدةٌ، تُرتَسَمُ في المشهد السوري عنوانُها التنافسُ الإقليمي على تقاسم النفوذ؛ حيث كشفتِ القناةُ الثالثةَ عشرةَ الإسرائيلية أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرقل طلباً قدّمتْه تل أبيب لشنِّ غاراتٍ جوّية جديدة في سوريا. وهو ما يعكِس تبايناً واضحاً في الرؤى بين الحليفَيْن، مدفوعاً بحساباتِ واشنطن الحذِرة وتقاربِها الحالي مع أنقرة في إدارةِ الملفّ السوري.
التحرك الإسرائيلي المحبوس في أروقة البيت الأبيض، جاء مدفوعاً بتوجّسٍ أمنيٍّ حقيقيٍّ من تنامي النفوذ العسكري والسياسي لتركيا، التي ترى فيها إسرائيلُ طرفاً يسعى لمَلء الفراغ وتوسيع رقعة سيطرته وهو ما عبّر عنه وزيرُ الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، باتهامه أنقرة بالسعي لتأسيس ما وصفها بـ “المحمية التركية” لحساب مصالحِها الخاصة.
الخَشيةُ الإسرائيلية من الإستراتيجيةِ التركية تفسّرُ خلفياتِ الغارات التي نفّذتها المقاتلاتُ الإسرائيلية سابقاً على قواعدَ عسكريةٍ حيويةٍ في حمصَ وحماة، وفي مقدمتها قاعدة T4 حيث أفادت تقاريرُ دوليّة بأنّ تلك الضرباتِ استهدفت بالأساس قطع الطريق على أنقرة التي كانت تدرس نشر قواتٍ فيها؛ ممّا جعل من دمشق ساحة لرسائل نارية مباشرة لترسيم حدود المطامع.
وفي مقابل سعي تركيا لترسيخ أقدامها شمالاً، تمضي إسرائيلُ في قضم وتثبيت واقع ميداني جديد في الجنوب السوري منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر عام ألفين وأربعةٍ وعشرين؛ حيث سيطرت على مناطقَ واسعة في القنيطرة ودرعا وجبل الشيخ متجاوزةً حدودَ اتفاق فضِّ الاشتباك القديم، لتتحوّلَ سوريا إلى جغرافيا مجزّأةٍ تتنازعها الأطرافُ الإقليمية.
موازين القوى هذه لم تَعُدْ معزولةً عن الأحلاف؛ إذ تزامن الفيتو الأمريكي مع توقيع اتفاقية دفاعية ثلاثية في مكة المكرمة بين السعودية وتركيا وباكستان تنص على الأمن المشترك، الأمرُ الذي منح أنقرةَ غطاءً إقليمياً قوياً يعزز تموضعَها، ويجعل أيَّ محاولةٍ إسرائيلية لضرب مصالحِها خطوةً بالغةَ التعقيد.
وبين شمال تطمح تركيا لإدارته وجنوب يصر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على أن الجيش لن ينسحب منه لاعتبارات أمنية، تبقى سوريا ساحة مفتوحة لتضارب المصالح الإقليمية في ظل غياب أي أفق لاستعادة الجغرافيا السورية لسيادتها الكاملة.
